بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
كاد العالم ان يقترب من حافة الاشتعال و نشهد حربا كونية ثالثة ، لم تكن دول الخليج لحظتها تفكر فقط في حدودها … بل كانت تفكر في مصير العالم كله.
وجدت هذه الدول نفسها فجأة في قلب مشهد يتجاوزها : من مركز إقليمي صاعد ومؤثر ، إلى لاعب محتمل في ساحة معركة كبرى ، صراع لا تُحسم نتائجه داخل المنطقة ، بل في توازنات دولية معقدة و أوسع منها بكثير .
صراعٌ تتعامل معه أطراف أخرى بعقلية وجودية ، حيث لا سقف للتصعيد ، ولا حساب دقيق للكلفة ، لأن الهدف بالنسبة لها يتجاوز السياسة إلى ما تعتبره مسألة بقاء وهوية .
في مثل هذه الحروب … تختفي الحدود بين العقل والاندفاع .
وحين تُخاض المعارك بمنطق “ الوجود أو العدم ”، تصبح الفوضى مقبولة ، والانهيار الاقتصادي احتمالا يمكن التعايش معه ، بل حتى عدم الاستقرار الطويل قد يُنظر إليه كثمن ضروري لتحقيق “ نصر كبير ”.
لكن دول الخليج… لم تفكر بهذه الطريقة.
هنا يكمن الفارق الجوهري.
فهي لم تنظر إلى المشهد باعتباره معركة صفرية ، بل باعتباره شبكة معقدة من مصالح الدول و الشعوب المتداخلة ، حيث كل قرار خاطئ لا يدفع ثمنه طرف واحد ، بل يمتد أثره إلى شعوب المنطقة والعالم ككل .
ما قد يراه الآخرون “ كلفة محتملة ”، رآه الخليج تهديدا مباشرا لمجتمعاته ، واقتصاداته ، ولمستقبل أجياله .
ولم يكن هذا التقدير نابعا من ضعف او خوف … بل من وعي و حكمة .
وعيٌ بأن الخليج لم يعد مجرد فضاء جغرافي ، و حكمة بانه أصبح شريانًا حيويًا لكل العالم ، مركزًا لأسواق الطاقة، عقدةً رئيسية للتجارة البحرية ، ومحورًا لتدفقات المال والاستثمار .
بالتالي أي اضطراب طويل هنا لا يبقى محليا … بل قد يتحول إلى أزمة عالمية مفتوحة.
لهذا السبب تحديدًا، لم يكن قرار ضبط النفس خيارا تكتيكيا عابرا او مجرد صبر استراتيجي ، بل كان قرارا استراتيجيا عميقا.
لقد فهمت القيادات الخليجية أن الانجرار إلى حرب طويلة لن يكون انتصارا ، بل انزلاقا خطيرا إلى سيناريو قد يخسر فيه الجميع ،وأن حماية الاستقرار الإقليمي لم تعد مسؤولية محلية خليجية فقط ، بل مسؤولية دولية بحكم موقع الخليج في قلب الاقتصاد العالمي.
وهنا، ارتفع منسوب الحكمة فوق منسوب الغضب.
اختار الخليج أن يُفشل منطق الحرب بدل أن ينجرف فيه.
أن يُبقي الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها، بدل أن يتحول إلى نار مفتوحة بلا سقف. لم يكن ذلك تراجعًا، بل كان إعادة تعريف للنصر:
النصر ليس في إشعال المواجهة… بل في منعها من التمدد.
هكذا انتصر الخليج …
حين فكّر بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة.
وحين وضع العالم في حساباته… فحفظ نفسه، و حفظ معه توازنا كان على وشك الانهيار !.


