تونس 29°C

25 جويلية 2026

تونس 38°C

25 جويلية 2026

حين يصمت التلفزيون … تخسر الدولة صوتًا لا يُعوَّض !.

ٍبقلم – ابوبكر الصغير.

لم يكن قرار إدارة قناة “ تلفزة تي في” إيقاف البث بشكل مفاجئ ، احتجاجا على ما قالت إنه “ هرسلة ” وضغوط تعرضت لها من ديوان الإرسال ، مجرد خبر عابر في المشهد الإعلامي التونسي ، بل كان صرخة قوية مدوية تستحق أن نتوقف عندها جميعا.
فالقضية هنا لا تتعلق بخلاف إداري أو مالي بين مؤسسة عمومية ومتعامل معها مرفق عمومي ، وإنما تمس أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة : الإعلام و الصحافة .
هناك حقيقة يبدو أن البعض لم يستوعبها بعد ، وهي أن التعامل مع مؤسسة إعلامية ، وخاصة قناة تلفزيونية ، لا يمكن أن يكون بنفس العقلية التي يُدار بها ملف محل عادي ، أو ورشة إنتاج ، أو بقالة ، أو حتى مؤسسة اقتصادية عادية .
فالقناة التلفزيونية ليست مجرد مشروع يبيع سلعة ويحقق أرباحا ، بل هي فضاء يصنع الوعي ، ويؤثر في الرأي العام ، ويواكب الأحداث ، وينقل صوت المجتمع والدولة في آن واحد .
ان الإعلام ليس مرفقا هامشيا ، بل هو سلطة حقيقية ، لا تقل أهمية عن بقية السلطات في حماية الدولة وترسيخ الاستقرار وصناعة الصورة الوطنية .
ومن هنا ، فإن أي تعامل معه يجب أن يراعي خصوصيته ، وأن يدرك المسؤولون أن خسارة مؤسسة إعلامية لا تُقاس بالخسائر المالية فقط ، وإنما بما تخسره البلاد من منبر ، ومن مساحة للتعددية ، ومن قدرة على إيصال صوتها إلى الداخل والخارج .
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو و بعد حادثة قناة “ تلفزة تي في” : متى ستدرك الدولة أن قطاع الإعلام ، وخاصة القنوات التلفزية الخاصة ، يستحق سياسة وطنية حقيقية للرعاية والإنقاذ ؟ .
فهذا القطاع يعيش سنوات من المعاناة ، منذ جائحة “ كوفيد-19 ”، التي عصفت بسوق الإعلانات و الإشهار ، وأربكت التوازنات المالية للمؤسسات الإعلامية ، وجعلت أغلب القنوات الخاصة تكافح يوميا من أجل البقاء .
ومع ذلك، ظل الإعلام الخاص يؤدي رسالته بمسؤولية ، رغم الديون ، و رغم ارتفاع كلفة الإنتاج ، و رغم تراجع الموارد ، وغياب أي رؤية واضحة لدعمه باعتباره قطاعا استراتيجيا.
إن اختزال المشهد السمعي البصري في إعلام عمومي محدود الحضور والتأثير ، وإذاعة وطنية تجتهد للتموقع ، يمثل خطأ استراتيجيا. فالدول القوية لا تبني إعلامها على صوت واحد ، بل على تعددية مسؤولة تثري النقاش العام ، وتمنح المجتمع فضاءات متنوعة للتعبير والإبداع .
لقد أثبت الإعلام الخاص ، في أصعب المحطات التي مرت بها تونس ، أنه كان حاضرا عندما احتاجته الدولة ، ونقل الحقيقة ، وواكب الأزمات ، وفتح منابره للنقاش الوطني ، وتحمل أعباء لم يكن أحد مستعدا لتحملها .
ولذلك، فإن خسارة أي قناة تلفزيونية ليست خسارة لاصحابها و لمستثمريها فقط ، بل خسارة لتونس كلها ، لأن المؤسسات الإعلامية لا تُبنى في أشهر ، ولا تُعوَّض بسهولة بعد انهيارها .
إن ما قامت به قناة “ تلفزة تي في” يجب ألا يُقرأ باعتباره احتجاجا معزولا ، بل إنذارا حقيقيا يعلن أن الإعلام الخاص بلغ مرحلة الخطر .
وإذا لم تتحرك الدولة لوضع سياسة جادة لحماية هذا القطاع و دعمه ، فقد نجد أنفسنا قريبا أمام مشهد إعلامي أفقر ، وأقل تنوعا ، وأضعف قدرة على خدمة المصلحة الوطنية .
إن الإعلام ليس عبئا على الدولة ، بل أحد أهم استثماراتها في الوعي ، وفي الديمقراطية ، وفي الأمن الوطني ، وفي صورة البلاد .
والدول التي تحترم نفسها تحمي مؤسساتها الإعلامية ، لأنها تدرك أن الكاميرا التي تنطفئ اليوم ، قد يكون انطفاؤها غدا خسارة لصوت وطن بأكمله .
ولعل صرخة قناة “ تلفزة تي في” ليست صرخة قناة واحدة ، بل صرخة قطاع كامل يطالب فقط بأن يُعامل بما يليق بمكانته ، وأن يُنظر إليه باعتباره شريكا كاملا في بناء الدولة، لا مجرد مؤسسة مطالبة بدفع الفواتير فقط .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية