ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لا تقاس عادة قيمة قادة الدول في عدد السنوات التي قضوها في الحكم ، إنما في الأثر الذي يتركونه بعد رحيلهم .
حين يُذكر الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، لا يُستحضر اسم حاكم سابق لدولة خليجية شقيقة فحسب ، بل يُستعاد انجاز حضاري كامل غيّر وجه قطر ، وأعاد رسم مكانتها على الخريطة السياسية والاقتصادية والإعلامية للعالم .
برحيله ، تطوي قطر صفحة ناصعة لأحد أبرز صُنّاع نهضتها الحديثة ، قائد امتلك رؤية سبقت زمنها ، وآمن بأن الدول الصغيرة في الجغرافيا تستطيع أن تكون كبيرة في التأثير ، إذا امتلكت الإرادة وحسن التخطيط والاستثمار في الإنسان .
حين تولى مقاليد الحكم عام 1995 ، كانت امارة قطر دولة واعدة ، لكنها لم تكن بعد بذلك الاسم الذي اصبح يتردد في المحافل الدولية .
خلال أقل من عقدين من الزمن ، تحولت إلى نموذج تنموي لافت ، استطاع أن يشدّ اهتمام العالم ، وأن يفرض حضوره في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والثقافة و الرياضة .
لم يكن النفط والغاز وحدهما سر الحكاية ، بل طريقة توظيفهما و الاستثمار فيهما .
أدرك الأمير الوالد مبكرا أن الثروة الطبيعية قد تنضب ، أما الاستثمار في الإنسان والمؤسسات و القوة الناعمة و الصورة الدولية للدولة فهو الثروة الباقية .
لذلك جاءت المشاريع الكبرى جزءا من رؤية متكاملة ، لا مجرد إنجازات متفرقة .
في عهده، أقلعت الخطوط الجوية القطرية لتتحول إلى واحدة من أفضل شركات الطيران في العالم ، وأصبح مطار حمد الدولي واجهة حضارية تستقبل ملايين المسافرين سنويا ، فيما تحولت الدوحة إلى محطة عالمية تربط الشرق بالغرب ، وتجسد صورة دولة تراهن على الجودة قبل أي شيء آخر .
لم يكن الإعلام بعيدا عن هذه الرؤية .
ففي سنة 1996 ولدت قناة ” الجزيرة ” ، لتصبح أول تجربة إعلامية عربية مستقلة نسبيا تكسر احتكار الرواية الرسمية ، وتفتح فضاء جديدا للنقاش السياسي والإخباري في المنطقة .
كانت خطوة جريئة غيّرت المشهد الإعلامي العربي ، حتى أصبح اسم قطر يقترن ، في أذهان الملايين ، بتلك القناة التي صنعت مدرسة إعلامية كاملة .
ويُنقل عن الأمير الوالد قوله : “ الجزيرة هي قطر ، وقطر هي الجزيرة ”، في تعبير عن إدراكه لقيمة القوة الناعمة في صناعة النفوذ .
لعل أكثر ما يختزل مشروعه هو نجاح قطر في الفوز بحق استضافة كأس العالم 2022، ثم تنظيم البطولة بصورة أبهرت العالم .
لم يكن المونديال مجرد حدث رياضي ، بل إعلانا عن وصول دولة عربية إلى مستوى غير مسبوق من الكفاءة التنظيمية والبنية التحتية والقدرة على إدارة أكبر تظاهرة كروية في العالم ، ليصبح ذلك الإنجاز تتويجا لمسار طويل بدأ قبل سنوات من إقامة البطولة .
وفي الداخل ، انعكس هذا التحول على حياة المواطن القطري .
فقد ارتفع مستوى الدخل ، وتوسعت خدمات التعليم والصحة والإسكان ، وترسخت منظومة رفاه اجتماعي جعلت التنمية تمس حياة الإنسان اليومية ، لا أن تبقى مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية .
أما خارج الحدود، فقد اختار الأمير الوالد أن يجعل من الدبلوماسية القطرية لاعبا حاضرا في ملفات الوساطات الإقليمية والدولية ، وأن يمنح بلاده حضورا يتجاوز حجمها الجغرافي . ولم تكن العلاقات مع تونس استثناء من هذا النهج ،فقد حظي التونسيون بمكانة خاصة في قطر ، واستقبلت البلاد عشرات الآلاف من الكفاءات التونسية التي وجدت فضاءً للعمل والإبداع ، في علاقة قامت على التقدير المتبادل والثقة ، واستمرت في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني .
ومن المحطات التي ستظل شاهدة على شخصيته السياسية أيضا ، قراره التاريخي عام 2013 بتسليم السلطة طوعا إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، في سابقة نادرة عربيا ، عكست إيمانه بتجديد القيادة وضمان استمرارية المشروع الوطني بعيدا عن حسابات السلطة التقليدية .
قد يختلف المراقبون في تقييم بعض سياسات الرجل ، لكنهم يكادون يجمعون على حقيقة واحدة : أن قطر قبل الشيخ حمد بن خليفة ليست هي قطر بعده .
فقد ترك وراءه دولة أكثر حضورا وتأثيرا ، وأكثر قدرة على المنافسة ، وأشد ثقة بنفسها .
واليوم ، فيما يودع القطريون أميرهم الوالد ، لا يشيعون رجلا فحسب ، بل يشيعون مرحلة كاملة من تاريخ بلادهم،مرحلة انتقلت فيها قطر من دولة خليجية محدودة الحضور إلى اسم عالمي حاضر في الاقتصاد و الإعلام والرياضة والدبلوماسية .
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، وأسكنه فسيح جناته ، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الشقيق جميل الصبر والسلوان .
وسيبقى اسمه ، في ذاكرة المنطقة ، مقترنا برجل آمن بأن الأحلام الكبيرة لا تحتاج إلى مساحة واسعة ، بل إلى رؤية واضحة وإرادة لا تعرف المستحيل .



