ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد المملكة العربية السعودية تتعامل مع التحولات الإقليمية بمنطق ردود الأفعال أو حسابات اللحظة ، بل أصبحت تقود سياسة خارجية تنطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى ، عنوانها حماية الاستقرار وصناعة التوازن ، لا الارتهان لمحاور الصراع أو الانجرار إلى مغامرات تستنزف المنطقة .
ففي شرق أوسط يعاد تشكيله على وقع الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ، لم تعد الرياض مجرد مراقب للأحداث ، بل تحولت إلى أحد أهم اللاعبين القادرين على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي ورسم ملامح المرحلة المقبلة .
هذه هي الخلاصة التي يقدمها أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جونز هوبكنز ، ولي نصر ، والأستاذة الزائرة بكلية لندن للاقتصاد ، ماريا فانتابي ، في مقالهما المنشور بمجلة Foreign Affairs تحت عنوان : “ هل تستطيع السعودية مواصلة سياسة التحوط ؟ ”، و الذي قامت لجنة التأليف والترجمة في الجمعية السعودية للعلوم السياسية بترجمته وتلخيصه .
ويرى الباحثان أن الحرب الأخيرة لم تقتصر على تغيير موازين القوى العسكرية ، بل فرضت واقعا استراتيجيا جديدا جعل سياسة “ التحوط ” التي انتهجتها المملكة طوال السنوات الماضية أكثر تعقيدا وأكثر حساسية . فالرياض لم تعد تتحرك في بيئة تسمح بالموازنة السهلة بين القوى المتنافسة ، بل أصبحت أمام مشهد تتداخل فيه التهديدات الإيرانية ، والطموحات الإسرائيلية ، واستمرار الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة ، إلى جانب الصعود المتزايد للقوى الآسيوية والإقليمية في معادلات الاقتصاد والأمن .
ومن هنا ، يكتسب الموقف السعودي خلال الحرب دلالته الحقيقية .
فما اعتبره البعض حيادا أو ترددا ، يراه الكاتبان تعبيرا عن نضج استراتيجي وقدرة عالية على إدارة المخاطر .
فقد اختارت المملكة أن تراقب تطورات الحرب بدقة ، وأن تقيس حدود القوة الإيرانية ، ومستوى الالتزام الأمريكي ، وحجم الطموح الإسرائيلي في إعادة صياغة النظام الإقليمي ، دون أن تزج بنفسها في صراع مفتوح لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها .
ويؤكد المقال أن السعودية لم تعد تنظر إلى نفسها باعتبارها طرفا تابعا لتحالفات تقليدية ، بل باعتبارها قوة إقليمية تمتلك مشروعا سياسيا مستقلا ، يسعى إلى إعادة تعريف دورها في الشرق الأوسط .
فهي تدرك أن شراكتها مع الولايات المتحدة ستظل ركيزة أساسية لأمنها ، لكنها في الوقت نفسه تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية ، بما يمنحها هامشا أكبر من الاستقلالية والقدرة على المناورة في عالم سريع التحول .
وفي المقابل ، لا يتعامل الباحثان مع إيران باعتبارها واقعا يمكن تجاوزه أو عزله ، بل يشيران إلى أن الجغرافيا والمصالح المشتركة تفرضان ، مهما بلغت حدة الخلافات ، البحث عن صيغ للتعايش وإدارة التنافس ، لأن أي نظام أمني مستدام في الخليج والشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على الإقصاء ، بل على موازين ردع واستقرار تمنع الانفجار الدائم .
ومن هذا المنطلق ، تبدو الاستراتيجية السعودية اليوم أكثر طموحا من مجرد الحفاظ على التوازن بين واشنطن وبكين ، أو إدارة العلاقة مع إيران وإسرائيل .
إنها رؤية تسعى إلى بناء منظومة أمنية إقليمية جديدة ، تقوم على تنويع الشراكات ، وخفض احتمالات الصدام ، ومنع أي قوة منفردة من احتكار القرار أو فرض قواعد اللعبة على المنطقة .
لقد تجاوزت المملكة مرحلة الاكتفاء بإدارة الأزمات ، لتدخل مرحلة المساهمة في صياغة الحلول .
وهذا هو التحول الأهم الذي ترصده الدراسة ، فالسعودية لم تعد تكتفي بالتكيف مع التحولات الكبرى ، بل أصبحت تعمل على التأثير فيها وتوجيه مساراتها بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها .
ولعل الاختبار الحقيقي اليوم لا يكمن في قدرة الرياض على مواصلة سياسة التحوط ، بل في نجاحها في تطويرها إلى مشروع استراتيجي متكامل يعيد هندسة التوازنات الإقليمية .
وإذا نجحت في ذلك ، فإنها لن تكون مجرد دولة تتفاعل مع أحداث الشرق الأوسط ، بل إحدى القوى الأكثر تأثيرا في رسم مستقبله ، وصياغة نظامه الأمني الجديد ، على أسس من الحكمة ، والواقعية ، وتوازن المصالح .

