ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
في لحظات يشتد فيها الألم ويغدو الخوف خبزا يوميا للمدنيين ، تبرز مواقف إنسانية لا تُقاس بحجم الأموال فقط ، بل بما تحمله من معان عظيمة و نبيلة ورسائل تضامن صادقة . ومن هذا المنطلق ، تأتي المبادرة الإنسانية الجديدة لدولة الإمارات العربية المتحدة ، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ، بتخصيص استجابة إنسانية طارئة بقيمة 30 مليون دولار لدعم المدنيين المتضررين من تدهور الأوضاع في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان في السودان .
إنها ليست مجرد مساعدات مالية عابرة ، بل يد تمتد إلى شعب أنهكته الحرب ، وإلى أمهات يبحثن عن الأمن لأطفالهن ، ومرضى ينتظرون جرعة دواء ، وأسر نزحت من بيوتها بحثا عن مأوى وماء وغذاء .
إنها رسالة تقول للسودانيين إنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه المحنة .
لقد جعلت الإمارات من العمل الإنساني جزءا من هويتها الوطنية ومن سياستها الخارجية ، فلم تكن يوما متفرجة على معاناة الشعوب ، بل اختارت أن تكون حاضرة حيث يوجد الألم ، وأن تنحاز دائما إلى الإنسان ، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية . ولهذا ، لم يكن غريبا أن تسارع مرة أخرى إلى نجدة السودان ، انطلاقا من إيمان راسخ بأن إنقاذ حياة إنسان هو انتصار للقيم الإنسانية كلها .
ما يلفت الانتباه في هذه المبادرة ليس فقط حجم الدعم المعلن ، بل أيضا الروح التي تقف خلفه ، روح المسؤولية والتضامن والإحساس العميق بوجع الآخرين .
فحين تؤكد الإمارات ضرورة إيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى الفئات الأكثر ضعفا ، وتدعو إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني ، فإنها تعيد التذكير بأن الإنسانية يجب أن تبقى فوق كل النزاعات والخلافات .
في مدينة الأبيض، كما في كثير من بقاع العالم المنكوبة ، قد لا يعرف الأطفال أسماء القادة ولا تفاصيل السياسة ، لكنهم سيدركون أن هناك بلدا عربيا اسمه الإمارات قرر أن يكون إلى جانبهم في ساعة العسرة ، وأن هناك أيادي امتدت إليهم تحمل الغذاء والدواء والأمل .
تلك هي القوة الحقيقية للأمم ، أن تُقاس بما تمنحه للحياة لا بما تملكه من إمكانات فقط . وتلك هي الإمارات التي اختارت أن تجعل من العطاء لغة ، ومن الرحمة رسالة، ومن الإنسان قضيتها الأولى .

