ٍبقلم – ابوبكر الصغير.
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ارتبطت “ الجمهورية الإسلامية ” ارتباطا عضويا بشخص المرشد الأعلى ومؤسسة “ ولاية الفقيه ”.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود ، لم يكن علي خامنئي مجرد رئيس دولة أو زعيم او قائد سياسي ، بل كان رمزا للنظام وحجر الزاوية في هندسته الفكرية والأمنية والعسكرية .
ولهذا، فإن ” اغتياله ” لن يكون حدثا عاديا في تاريخ إيران ، بل زلزالا سياسيا واستراتيجيا قد يفتح الباب أمام أكبر تحول تشهده البلاد منذ سقوط نظام الشاه .
إن وصول جثمان المرشد الإيراني الراحل إلى مصلى طهران الكبير ، واستعداد البلاد لمراسم تشييع تنطلق غدا و تمتد أياما عدة، ومناشدات المسؤولين لحشد جماهيري واسع والثأر لمقتله ، كلها مشاهد تعكس حجم الصدمة التي يمكن أن تضرب بنية الدولة الإيرانية .
فالجمهورية الإسلامية لم تُبنَ على المؤسسات وحدها ، بل على شرعية ثورية ودينية تتمحور حول فكرة القيادة المرشدة التي تجمع بين السلطة السياسية والمرجعية العقائدية .
لكن السؤال الأهم يبقى اليوم : هل يعني اغتيال خامنئي نهاية الثورة الإيرانية؟.
التاريخ يقول إن الثورات الكبرى لا تنتهي عادة باغتيال زعمائها و قادتها . فالأنظمة الأيديولوجية تمتلك قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسها ، خصوصا عندما تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قوية متماسكة ، وشبكات نفوذ داخلية وخارجية ، وقاعدة اجتماعية ماتزال تؤمن بمشروعها.
غير أن إيران اليوم ليست إيران عام 1979، ولا حتى إيران مطلع الألفية الجديدة . فالعقوبات الاقتصادية الطويلة ، وتراجع مستويات المعيشة ، واتساع الهوة بين الأجيال الجديدة والخطاب الثوري التقليدي ، والاحتجاجات الاجتماعية المتكررة ، كلها عوامل جعلت جزءا من المجتمع الإيراني يتساءل منذ سنوات عن مستقبل النظام وقدرته على الاستمرار بصيغته الحالية .
وفي حال غياب خامنئي ، ستجد الجمهورية الإسلامية نفسها أمام اختبار تاريخي بالغ الصعوبة : هل تستطيع مؤسساتها إدارة انتقال القيادة بسلاسة ، أم أن الصراع بين مراكز النفوذ المختلفة سيفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين وربما إعادة تشكيل النظام السياسي برمته ؟ .
وقد يحاول النظام تحويل لحظة الاغتيال إلى لحظة تعبئة وطنية كبرى ، وتقديم خامنئي بوصفه “ شهيدا ” للدفاع عن إيران ، بهدف إعادة توحيد المجتمع وإحياء الزخم الثوري الذي تراجع خلال السنوات الأخيرة .
فالأنظمة العقائدية كثيرا ما تحول المآسي إلى أدوات لإعادة إنتاج شرعيتها .
لكن في المقابل، قد يكون الاغتيال بداية مرحلة جديدة تتجاوز الأشخاص وتطرح أسئلة اخطر و أكثر عمقا : هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الاستمرار من دون الشخصية التي أدارت توازناتها الداخلية والخارجية لأكثر من اربعة عقود ؟ . وهل مايزال النموذج الذي ولد قبل سبعة وأربعين عاما قادرا على الاستجابة لتطلعات الإيرانيين في عالم تغيرت موازينه بصورة جذرية ؟
لذلك، فإن اغتيال خامنئي لا يعني بالضرورة نهاية الثورة الإيرانية ، لكنه قد يمثل نهاية مرحلة تاريخية كاملة من عمر الجمهورية الإسلامية ، وبداية معركة مصيرية حول هويتها ومستقبلها وشكل الدولة الإيرانية في العقود القادمة . ففي بعض الأحيان لا تسقط الثورات برحيل قادتها، لكنها تخرج من لحظة الفقد مختلفة تماما عما كانت عليه من قبل .


