ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في العلاقات الدولية ، لا تنتهي الحروب دائما بانتصار طرف كامل وهزيمة طرف آخر .
أحيانا تنتهي عندما يدرك المتصارعون أن كلفة المواجهة أصبحت أكبر من مكاسب الاستمرار فيها ، وأن إدارة الخلاف قد تكون أكثر واقعية من محاولة حسمه .
وهذا، على الأرجح ، هو ما يكشفه المسار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران .
فمذكرة التفاهم بين الطرفين لا تبدو إعلانا عن انتصار أمريكي حاسم كما كان يتمنى البعض تقديمها ، ولا تمثل في المقابل هزيمة إيرانية كما توقع خصوم طهران .
إنها تعكس حقيقة أكثر تعقيدا : أن القوة ، مهما بلغت ، لها حدود ، وأن الصراعات الكبرى لا تُحسم دائما بمنطق الغالب والمغلوب .
دخلت واشنطن هذا الصراع وهي ترفع سقف أهدافها ، متحدثة عن تغيير السلوك الإيراني جذريا وإعادة تشكيل موازين النفوذ في الشرق الأوسط .
لكن ما أظهرته التسوية هو أن القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية ، رغم قدرتها على إنهاك الخصم ورفع كلفة المواجهة ، لا تضمن بالضرورة الوصول إلى النتائج السياسية المرجوة .
فبعد سنوات من التصعيد ، بقيت الملفات الأساسية مفتوحة : البرنامج النووي لم يُغلق نهائيا ، القدرات الصاروخية ماتزال جزءا من معادلة القوة الإيرانية ، والنفوذ الإقليمي لطهران لم يختف .
وكأن المفاوضات انتهت إلى إقرار ضمني بأن بعض الأزمات لا يمكن اختزالها في ميزان القوة وحده.
أما إيران ، فقد تمكنت من تجاوز مرحلة كانت تبدو شديدة الخطورة عليها ، من دون التخلي عن مرتكزات مشروعها الاستراتيجي . لكن ذلك لا يعني أنها خرجت منتصرة بالمعنى التقليدي .
فالدولة التي تقبل بتسوية لتخفيف الضغوط وفتح نافذة اقتصادية لا تفعل ذلك من موقع القوة المطلقة ، بل من إدراك دقيق لحجم التحديات والقيود التي تواجهها .
وما حققته طهران قد يكون أقرب إلى تفادي الخسارة الكبرى منه إلى تحقيق انتصار كامل .
لهذا فإن قراءة المشهد بمنطق النقاط والنتائج فقط قد تكون مضللة .
فالأهم هو التحول الذي طرأ على طبيعة الصراع نفسه : الانتقال من محاولة كسر الخصم إلى إدارة التوازن معه .
لم يعد الهدف ، في هذه المرحلة ، إسقاط الطرف الآخر أو إخضاعه بالكامل ، بل ضبط مستوى الاشتباك ومنع الانفجار الشامل .
وهذا اعتراف متبادل بأن أيا من الطرفين لا يملك القدرة على فرض إرادته كاملة .
وقد يكون الخاسر الأكبر هو الفكرة التي سادت طويلا ، والقائلة إن الشرق الأوسط يمكن إعادة رسمه عبر القوة العسكرية وحدها أو عبر سياسة الضغوط القصوى .
فالواقع أثبت أن القوة قد تفتح باب التفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها صياغة تسوية مستقرة .
ومن هنا يمكن فهم مشاعر الخيبة لدى إسرائيل ، التي كانت تراهن على أن تتحول المواجهة إلى لحظة تاريخية تضعف إيران بصورة جذرية وتعيد تشكيل المنطقة وفق معادلات جديدة .
غير أن ما حدث هو تأجيل للملفات الكبرى بدل حسمها ، وعودة لغة المصالح والتفاهمات بعد أن عجز التصعيد عن إنتاج نهاية قاطعة .
ما جرى ليس نهاية للصراع الأمريكي الإيراني ، بل اعتراف متبادل بأن حسمه الكامل غير ممكن في المرحلة الحالية .
فالمذكرة ليست وثيقة سلام نهائي بقدر ما هي اتفاق لإدارة الأزمة ، توقف التصعيد لكنها لا تنهي أسبابه ، تخفف التوتر لكنها لا تزيل جذوره .
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة : ماذا سيحدث عندما يحين وقت مواجهة الملفات التي تم تأجيلها ؟ .
في السياسة، قد لا يكون المنتصر دائما من يفرض شروطه كاملة ، بل من ينجح في كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقه . وربما يكون هذا هو الوصف الأقرب لما حدث بين واشنطن وطهران.

