ٍبقلم : أبوبكر الصغير .
في حسابات الدول ، لا تكون الأخطاء دائما نتيجة نقص في القوة ، بل أحيانا تكون نتيجة سوء تقدير للآخرين .
ولعل أحد أبرز الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها إيران خلال العقود الماضية هو أنها قرأت منطقة الخليج بعين من الاستعلاء و الرغبة في الوصاية و الهيمنة ، ولم تدرك بما يكفي حجم التحولات العميقة التي طرأت على دول الخليج وعلى طبيعة قياداتها ومجتمعاتها .
فقد نظرت طهران طويلا إلى الخليج بوصفه مساحة قابلة للاختراق أكثر من كونه شريكا إقليميا متكافئا.
وظل جزء من التفكير السياسي الإيراني يتعامل مع دول الخليج وفق تصور قديم يرى أن الثروة الكبيرة محاطة بهشاشة سياسية وأمنية ، وأن النفوذ يمكن أن يُبنى عبر الضغط و التهديد ، وإدارة المخاوف، وتوسيع دوائر التوتر والاشتباك غير المباشر .
لكن هذا التصور اصطدم بخليج مختلف تماما عن ذلك الذي عرفته المنطقة قبل أربعين عاما.
لقد تغيرت المعادلة . فالدول الخليجية لم تعد مجرد دول تملك ثروات و موارد مالية ضخمة ، بل أصبحت مشاريع سياسية واقتصادية متكاملة ، تقودها أجيال جديدة من القيادات التي أثبتت قدرة لافتة على التخطيط ، وبناء المؤسسات ، وتنويع الاقتصادات ، وتحويل بلدانها إلى مراكز إقليمية ودولية في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والطاقة والدبلوماسية .
الخطأ الإيراني لم يكن فقط في تقدير قدرات هذه الدول ، بل في التقليل من ذكاء وحكمة الجيل الجديد من قياداتها . فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن هذه القيادات لا تتحرك بمنطق رد الفعل العاطفي ، بل وفق حسابات طويلة المدى تجمع بين القوة والهدوء والبراغماتية .
لقد أدرك الخليج أن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية ، بل أيضًا بقدرة الدولة على بناء التحالفات ، وتعزيز الاستقرار ، وجذب العالم إليها ، وتحويل التنمية إلى مصدر نفوذ .
ربما كانت طهران تراهن على أن الخلافات الداخلية أو الاعتماد على الخارج سيجعلان الخليج عاجزا عن صياغة دور مستقل .
لكن الواقع أظهر مسارا مختلفا : دول الخليج طورت قدراتها ، ووسعت خياراتها ، وأصبحت أكثر حضورا في صناعة القرار الإقليمي والدولي .
المفارقة أن إيران ، وهي صاحبة تاريخ حضاري وثقل إقليمي لا يمكن إنكاره ، ربما خسرت جزءا من قدرتها على التأثير بسبب تمسكها بصورة قديمة عن جيرانها .
فبدلا من رؤية الخليج كفضاء يمكن بناء شراكات معه، استمر أحيانا خطاب يقوم على الشك والمنافسة والصراع .
إن المنطقة لا تحتاج إلى صراع دائم بين ضفتي الخليج ، بل إلى توازن جديد يعترف بأن كل طرف يمتلك مقومات قوة ، وأن الاحترام المتبادل هو الطريق الأكثر واقعية لصناعة الأمن .
فالخليج الذي أمام إيران اليوم ليس خليج الأمس ، والقيادات التي تدير هذه الدول لها من الحكمة و التجربة و الريادة ما يشهد به لها العالم كله .
إنها مرحلة جديدة ، عنوانها أن من يفهم التحولات يملك المستقبل ، ومن يبقى أسير الصور القديمة يخاطر بارتكاب أخطاء استراتيجية يصعب تصحيحها .

