تونس 32°C

2 جوان 2026

تونس 38°C

2 جوان 2026

كنا نقرأ الخطر مبكرا … واليوم يراه الجميع !.

ٍبقلم : ابوبكر الصغير.

قبل سنوات ، كنت شخصيا ضمن فريق دولي عمل لأشهر طويلة على إعداد تقرير عالمي موسع حول تمدد الحرس الثوري الإيراني وشبكاته العابرة للحدود ، جاء عنوانه كما يلي : ” الغيمة / السحابة / الظاهرة
الإيرانية الاسلامية القومية ” ( * ) .
يومها، لم يكن الهدف إثارة المخاوف أو صناعة عدو وهمي ، بل قراءة الوقائع و استشراف المخاطر كما رصدناها و كما هي ، و تتبع الخيوط التي كانت تمتد بصمت عبر مختلف القارات والدول والمجتمعات .
أذكر جيدا حجم التشكيك الذي رافق ذلك العمل الأكاديمي .
فالبعض رأى في الحديث عن الشبكات الإيرانية ( الحرس الثوري ) المنتشرة في العالم مبالغة سياسية ، بينما اعتبر آخرون أن الحديث عن مشروع تمدد و نفوذ إيراني عالمي يدخل في إطار الصراع الإعلامي أكثر منه في إطار الحقائق الميدانية .
لكن السنوات مضت ، وجاءت الأحداث تباعا لتؤكد أن ما أنجزناه و كتبناه لم يكن سوى وصف دقيق لواقع كان يتشكل بعيدا عن الأضواء .
اليوم، تُرفع الأغطية الواحدة تلو الأخرى عن أنشطة استخباراتية وشبكات تجسس مرتبطة بصانع القرار الإيراني في عدد من الدول العربية ، وخاصة في منطقة الخليج العربي . لم يعد الأمر مجرد تحليلات أو فرضيات ، بل أصبح جزءا من ملفات أمنية وقضائية موثقة أعلنت عنها الدول نفسها .
في المملكة العربية السعودية، كُشف عن خليتي تجسس تعملان لصالح إيران ، الأولى في 28 مارس 2013 والثانية في 21 ماي من العام نفسه .
في البحرين، بدأ الإعلان عن خلايا وشبكات مرتبطة بإيران منذ عام 2010.
أما الكويت فقد أعلنت في ماي 2010 عن كشف شبكة تجسس تعمل لصالح طهران ، قبل أن تشهد لاحقا واحدة من أخطر القضايا الأمنية المرتبطة بالمنطقة ، حين تم الكشف عن خلية العبدلي التابعة لحزب الله اللبناني ، الذراع الأقوى للحرس الثوري الإيراني ، والتي قامت بتخزين كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر .
وقد انتهت القضية بطرد خمسة عشر دبلوماسيا إيرانيا من الكويت بعد تثبيت الأحكام القضائية المتعلقة بالتخابر مع إيران .
كما لم تقتصر هذه الأنشطة على تلك الدول فقط ، إذ تم الكشف في فترات مختلفة عن شبكات وخلايا مرتبطة بإيران في قطر والإمارات العربية المتحدة ، وهو ما يعكس اتساع نطاق النشاط الاستخباراتي الإيراني في المنطقة .
بالتالي ، ان السؤال الذي يفرض نفسه هنا : لماذا كل هذا الإصرار على زرع الخلايا النائمة وشبكات التجسس داخل دول عربية؟ .
الإجابة تبدو واضحة من خلال تتبع السلوك الاستراتيجي الإيراني خلال العقود الأخيرة . فهذه الشبكات ليست غاية في حد ذاتها ، بل وسيلة لتحقيق أهداف أعمق ، يأتي في مقدمتها التأثير على استقرار الدول المستهدفة ، وإيجاد أوراق ضغط داخلية يمكن استخدامها عند الحاجة ، فضلا عن محاولة التأثير في دوائر صنع القرار السياسي والأمني والاقتصادي .
لقد أدرك صانع القرار الإيراني منذ وقت مبكر أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر الجيوش والصواريخ ، بل أيضا عبر المعلومات والاختراقات والشبكات السرية .
من هنا نشأت عقيدة استخباراتية تقوم على بناء أدوات تأثير طويلة المدى داخل المجتمعات المستهدفة .
يبدو أن هذه العقيدة قسمت الدول العربية المحيطة بإيران إلى فئتين : دول فاشلة يسهل اختراقها والسيطرة على جزء من قرارها ، ودول مستقرة يصعب إخضاعها مباشرة ، فتُستهدف بمحاولات الاختراق الأمني وبناء شبكات النفوذ الاستخباراتية السرية من الداخل .
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يهدد الدول ليس العدو الذي يقف على حدودها ، بل ذلك الذي يحاول التسلل إلى داخل مؤسساتها ومجتمعاتها تحت عناوين مختلفة .
فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية ، بل أصبحت تعتمد على جمع المعلومات وصناعة التأثير وبناء الشبكات القادرة على التحرك في اللحظة المناسبة .
واليوم، وأنا أستعيد ذلك التقرير الدولي الذي شاركت في إعداده قبل سنوات ، لا أشعر بنشوة أن الوقائع أثبتت صدق و صحة ما كتبناه ، بل أشعر بمرارة أن التحذيرات التي أُطلقت مبكرا لم تؤخذ دائما بالجدية المطلوبة .
فالأحداث التي نعيشها اليوم تؤكد حقيقة واحدة : الأمن القومي العربي لا يُهدد فقط من الخارج بالسلاح ، بل يُهدد أيضا من الداخل عبر شبكات النفوذ و التجسس والاختراق من خلال اجهزة و عناصر تعمل بصمت ، إلى أن يحين موعد ظهورها إلى العلن .
ان الدول التي نجحت في كشف هذه الشبكات وإحباط مخططاتها لم تدافع فقط عن أمنها الوطني ، بل دافعت أيضا عن استقرار المنطقة بأكملها ، وأثبتت أن اليقظة الأمنية ليست خيارا ، بل ضرورة وجودية في عالم تتغير فيه كثير من الأمور !.
—-
‏Islamisto-Nationaliste ( * )
‏Iranienne
الغيمة/السحابة/ الظاهرة
الإيرانية الاسلامية القومية
‏Les réseaux nucléaires iraniens
الشبكات النووية الإيرانية
‏défis : le Baloutchistan et l’Afghanistan
تحديان اثنان
مقاطعة بالوشستان
و افغانستان
‏2010 – Kaveh Ahangar (Kaveh le Forgeron)
كاوه آهنكر/ كاوه الحداد

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية