تونس 31°C

21 ماي 2026

تونس 38°C

21 ماي 2026

الأمير محمد بن سلمان : ملامح السعودية الجديدة .

ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

تعيش المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة على وقع تحولات كبرى أعادت رسم ملامح الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، حتى بات اسم الأمير محمد بن سلمان مرتبطًا بمشروع تغيير شامل تجاوز حدود الإصلاحات التقليدية ، نحو بناء نموذج عربي جديد للدولة الحديثة .
لم تعد السعودية تُختزل فقط في النفط أو في مكانتها الدينية ، بل أصبحت تُقدَّم اليوم بوصفها دولة تصنع مستقبلا ، تراهن على التنمية والتكنولوجيا والاستثمار والانفتاح الثقافي .
ما حدث في المملكة لم يكن مجرد سلسلة من القرارات الاقتصادية أو التعديلات الإدارية ، بل انتقالا تاريخيا من مرحلة إلى أخرى ، ومن نموذج تقليدي محافظ إلى دولة تسعى إلى تثبيت حضورها كقوة إقليمية ودولية حديثة . خلال فترة وجيزة، استطاعت السعودية أن تفرض نفسها عالميا باعتبارها دولة تمتلك رؤية واضحة للمستقبل ، قائمة على تنويع الاقتصاد ، وتمكين الإنسان ، والانفتاح على العالم ، وصناعة بيئة تنموية متكاملة .
أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة السعودية الجديدة ، الجرأة في اتخاذ القرارات .
فالكثير من الملفات التي ظلت لعقود طويلة تُعتبر من “ المحرمات ” السياسية أو الاجتماعية ، أصبحت اليوم محل مراجعة وإعادة تنظيم وفق منطق الدولة الحديثة ومؤسساتها .
وقد بدا ذلك واضحًا في إعادة ضبط دور المؤسسات الدينية ، وإنهاء مظاهر الوصاية الاجتماعية التي كانت تمارس من قبل بعض الجهات باسم الدين ، في تحول رآه كثيرون خطوة مفصلية أعادت التأكيد على أن الدولة وحدها المرجع القانوني والتنظيمي للمجتمع و لمختلف شؤونه .
لعلّ التحول الأبرز يكمن في ترسيخ مفهوم الدولة المدنية بمفهومها الإداري والمؤسساتي ، حيث أصبح الولاء للوطن ، والتنمية ، والاستقرار ، فوق أي اعتبارات أخرى ، دون أن يعني ذلك التخلي عن الجذور و الهوية الإسلامية للمملكة .
فالسعودية لم تتخلّ عن عمقها الديني أبدا ، لكنها أعادت صياغة العلاقة بين الدين وإدارة الدولة بطريقة أكثر انسجاما مع متطلبات العصر وتحديات المستقبل .
غير أن نجاح هذا المشروع لا يرتبط فقط بقوة القرار السياسي ، بل أيضًا بحالة الثقة العميقة التي تشكلت بين الشعب وقيادته . فالسعوديون لم ينخرطوا في مشروع التحديث بدافع الخوف أو الإكراه ، بل لأنهم لمسوا نتائج التغيير في تفاصيل حياتهم اليومية ، ورأوا دولة تتحرك بثبات نحو المستقبل .
ومن هنا أصبح الانتماء الوطني مرتبطًا كذلك بالإيمان بمشروع التنمية ذاته ، وبقناعة جماعية بأن ما يقوده الأمير محمد بن سلمان ليس إصلاحات ظرفية عابرة ، بل رؤية متكاملة لبناء دولة حديثة قادرة على خلق الفرص وصناعة الأمل للأجيال القادمة .
اقتصاديًا، تبدو الرؤية السعودية أكثر طموحًا من أي وقت مضى . فـ ” رؤية السعودية 2030 ” لم تُبنَ على الخطابات والشعارات ، بل على مشروع فعلي يهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على النفط ، عبر الاستثمار في التكنولوجيا ، والذكاء الاصطناعي ، والسياحة ، والصناعات الحديثة ، والبنية التحتية ، والتعليم ، والابتكار .
ومن اللافت أن الإيرادات غير النفطية بدأت تحقق حضورًا متزايدًا داخل الاقتصاد السعودي ، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء اقتصاد مستدام لا يبقى رهين تقلبات أسواق الطاقة .
كما شكّل الانفتاح الثقافي والفني أحد أبرز ملامح هذا التحول .
فالفن، الذي كان يُنظر إليه سابقًا بكثير من التحفظ ، أصبح اليوم جزءًا من القوة الناعمة السعودية ، من خلال المهرجانات الكبرى ، ودعم السينما ، واستضافة الفعاليات العالمية ، وتكريم الفنانين والمبدعين العرب . وهي رسالة تؤكد أن التنمية لا تُقاس بالأرقام وحدها ، بل أيضًا بقدرة المجتمع على احتضان الثقافة والحياة والجمال .
ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه التحولات نقاشات واسعة واختلافات في التقييم و حتى تقدير موقف مخالف ، خاصة في منطقة عربية مثقلة بصراعات طويلة بين التيارات المحافظة ومشاريع التحديث . غير أن ما لا يمكن إنكاره هو أن السعودية نجحت بامتياز في فرض نفسها كنموذج عربي يتحرك بثقة وسرعة نحو المستقبل ، مستندًا إلى رؤية سياسية واضحة وإرادة تنفيذ قوية .
لقد أدرك الأمير محمد بن سلمان أن الأمم لا تُبنى بالخطب وحدها ، بل ببناء الإنسان ، وتحرير الطاقات ، وتطوير التعليم ، وخلق اقتصاد متنوع ، والانفتاح على العالم دون التفريط في الهوية الوطنية .
ولهذا ارتبط اسمه اليوم بفكرة “ السعودية الجديدة ”، تلك الدولة التي تحاول الجمع بين الأصالة والتحديث ، وبين الثقل التاريخي والطموح العالمي .
وفي عالم عربي أنهكته الأزمات والانقسامات ، تبرز التجربة السعودية باعتبارها محاولة لإثبات أن التنمية ليست حلمًا مستحيلًا ، بل قرار دولة تمتلك الجرأة على مواجهة الجمود ، والإيمان بأن المستقبل يُصنع بالإرادة ، والعمل ، والرؤية الواضحة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية