بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
لم يعد حديث تباطئ الاقتصاد العالمي مجرد انطباع عام أو قراءة عابرة ، بل أصبح واقعًا تؤكده الأرقام والمعطيات.
فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى حدود 3.1% خلال عام 2026، بعد أن كانت عند 3.4% قبل فترة وجيزة، في دلالة واضحة على هشاشة التعافي وسرعة تأثره بالتوترات الجيوسياسية الراهنة .
لا يأتي هذا التراجع في النمو بمعزل عن بقية المؤشرات ، إذ يتزامن مع عودة الضغوط التضخمية ، حيث يُنتظر أن يصل معدل التضخم إلى 4.4% .
ورغم أن هذا المستوى يظل أدنى من ذروة أزمة 2022 ، فإنه يعكس موجة جديدة من ارتفاع الأسعار ، خاصة في قطاع الطاقة ، ما يعقّد مهمة صناع القرار النقدي ويعيد طرح إشكالية التوازن بين دعم النمو والسيطرة على التضخم .
في السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا ، قد ينزلق الاقتصاد العالمي نحو نمو لا يتجاوز 2%، بالتوازي مع تضخم يتخطى بنسبة 6%، وهو مزيج يعيد إلى الواجهة مخاطر الركود التضخمي ، أحد أصعب التحديات التي تواجه السياسات الاقتصادية .
في هذا السياق ، تجد البنوك المركزية نفسها أمام خيارات دقيقة : فرفع أسعار الفائدة قد يساعد على كبح التضخم ، لكنه في المقابل يهدد بتقليص وتيرة النشاط الاقتصادي .
أما التريث ، فقد يمنح الأسعار فرصة لمزيد من الارتفاع .
تزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع محدودية تأثير السياسات النقدية على أسعار الطاقة ، التي تبقى شديدة التقلب وخارجة إلى حد كبير عن السيطرة المباشرة .
على صعيد الاقتصادات الكبرى ، تبدو الصورة متباينة .
ففي الولايات المتحدة ، يُتوقع أن يسجل النمو تحسنا طفيفا من 2.1% في 2025 إلى 2.3% في 2026 ، مدفوعا بإجراءات تحفيزية ، رغم اتساع العجز المالي الذي قد يبلغ 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي .
في المقابل، تتسم التوقعات في منطقة اليورو بقدر أكبر من الحذر ، حيث يُرجّح أن يتراجع النمو من 1.4% إلى 1.1% ، مع تفاوتات داخلية لافتة ، إذ قد تستعيد ألمانيا بعض الزخم لترتفع من 0.2% إلى 0.8%، بينما تحافظ فرنسا على نمو محدود في حدود 0.9%.
أما الاقتصادات الأكثر هشاشة ، فهي المرشحة لتحمل العبء الأكبر ، لا سيما تلك المعتمدة على استيراد المواد الأولية ، حيث تتراجع قدرتها على امتصاص صدمات الأسعار . وفي الوقت ذاته، لن تكون الدول النفطية بمنأى عن الضغوط ، إذ قد تواجه بعضها انكماشا حادا ، كما تشير التوقعات في حالات مثل العراق (- 6.8%) وقطر (-8.6%)، نتيجة تراجع الإنتاج واضطراب النشاط الاقتصادي.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد ، إذ يُنتظر أن يظل النمو العالمي دون متوسطه التاريخي البالغ 3.7% خلال الفترة 2010-2019 ، ليستقر عند نحو 3.1% سنويًا حتى عام 2028 ، في إشارة إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة نمو أبطأ وأكثر هشاشة.
كما أن تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي وتصاعد النزعات الحمائية يهددان بإضعاف آفاق التعافي ، في وقت قد تسهم فيه القيود المتزايدة على الهجرة في تقليص ديناميكية أسواق العمل ، خاصة في الاقتصادات المتقدمة .
في المحصلة، لم تعد هذه الأرقام مجرد مؤشرات تقنية ، بل تحولت إلى إشارات إنذار مبكر تعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد العالمي . فالنمو لم يعد مسارا مضمونا ، بل أصبح رهين القدرة على التكيّف مع الأزمات وإدارتها في عالم سريع التغير.

