بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
في لحظة مشبعة بالتوتر والانتظار ، يستقبل لبنان إعلان وقف إطلاق النار لا كتحول حاسم في مسار الصراع ، بل كفاصل هش بين جولة وأخرى من التصعيد .
فبعد أسابيع من القصف المتبادل والتوتر المتصاعد ، جاء الإعلان الأمريكي عن اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل ، بوصفه محاولة لالتقاط الأنفاس أكثر منه بداية لمسار تسوية حقيقية .
هدنة محدودة زمنيا ، مثقلة بشروط أمنية وسياسية ، تجعلها أقرب إلى ترتيب مؤقت لإدارة الأزمة لا حلّها .
ورغم الطابع الميداني الحذر ، حمل الإعلان الأمريكي سقفا سياسيا مرتفعا ، حين أشار إلى إمكانية عقد لقاء في البيت الأبيض يجمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس اللبناني جوزيف عون .
خطوة بدت ، في ظاهرها ، محاولة لكسر جمود تاريخي يعود إلى عقود ، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع سياسي صلب ، تجلّى في رفض لبناني واضح لأي تواصل مباشر ، ما يعكس الفجوة العميقة بين الطموح الدبلوماسي والقيود السيادية .
على الأرض، لم تواكب الوقائع هذا الخطاب التفاؤلي .
فبينما خفّ حضور الطائرات المسيّرة فوق بيروت ، استمر القصف على جنوب البلاد بوتيرة لافتة ، مخلفا ضحايا في صفوف المدنيين والمسعفين .
هذا التناقض بين لغة السياسة ومنطق النار يعيد طرح سؤال جوهري : هل نحن أمام هدنة فعلية ، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي تفرضه حسابات اللحظة ؟.
داخليا ، تصطدم أي محاولة لوقف دائم لإطلاق النار بعقدة بنيوية تتجاوز حدود القرار اللبناني ، تتمثل في مسألة السلاح خارج إطار الدولة ، وعلى رأسها ترسانة حزب الله .
وهي معضلة تتشابك فيها الاعتبارات المحلية مع التوازنات الإقليمية ، ما يجعل معالجتها رهينة تفاهمات أوسع من قدرة الدولة اللبنانية وحدها .
في المقابل ، تضع إسرائيل هذا الملف في صلب شروطها لأي تهدئة طويلة ، بما يحوّل الهدنة الراهنة إلى إطار هش قابل للانهيار عند أول اختبار جدي .
ولا تقل مسألة السيادة تعقيدا ، إذ يستمر خرق المجالين البري والجوي اللبناني دون معالجة واضحة في بنود الاتفاق المعلن . وفي هذا السياق ، يأتي الدعم الأوروبي لوحدة الأراضي اللبنانية ليعكس قلقاً متزايدا من انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة ، دون أن يرقى ، حتى الآن ، إلى مستوى الضغط الفعلي لتثبيت التهدئة .
أما حزب الله ، فيتمسك بشروطه المسبقة ، رابطا أي انخراط فعلي في التهدئة بمسار واضح لإعادة الإعمار وضمان عودة النازحين ، مع رفض قاطع لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر مع إسرائيل .
موقف يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى مشهد تفاوضي مزدحم بالأجندات المتعارضة ، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع رهانات إقليمية ودولية .
في الشارع اللبناني ، لا يبدو الارتياح سوى قشرة رقيقة تخفي وراءها ذاكرة قريبة مثقلة بالتجارب المريرة .
ففشل هدنة نوفمبر 2024 لا يزال حاضرا ، حين تحولت وعود الانسحاب إلى واقع ميداني مختلف ، واستمرت الخروقات بوتيرة مرتفعة . لذلك ، ينظر كثيرون إلى الهدنة الحالية كفسحة مؤقتة للنجاة، لا كبداية لمسار استقرار فعلي .
في المحصلة، يقف لبنان عند مفترق دقيق ، حيث يتقاطع إنهاك الحرب مع انسداد الأفق السياسي .
هدنة ضرورية إنسانيا ، لكنها عاجزة عن ملامسة جذور الأزمة ، فتؤجل الانفجار بدل أن تمنعه . وبين حسابات القوى الإقليمية والدولية ، يبقى اللبنانيون عالقين في منطقة رمادية : لا حرب شاملة ، ولا سلام مستقر … بل انتظار مفتوح على كل الاحتمالات .


