تونس 29°C

22 أفريل 2026

تونس 38°C

22 أفريل 2026

من نفوذٍ ممتد إلى بقاءٍ مُكلف : تحولات أذرع إيران بعد الحرب .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

في أعقاب الحروب ، لا تُقاس التحولات بحجم الدمار فقط ، بل بطبيعة الأسئلة التي تفرض نفسها .
والسؤال اليوم لم يعد : هل ستختفي أذرع إيران في المنطقة ؟ بل أصبح أكثر واقعية وصرامة : بأي حجم ستبقى ، وتحت أي شروط، وبأي كلفة ؟ .
ما كشفت عنه المواجهة الأخيرة هو انهيار جزئي لفكرة “ النفوذ منخفض الكلفة ” التي قامت عليها الاستراتيجية الإقليمية لطهران لعقود .
تلك الأذرع التي كانت تتحرك في الظل، بمرونة عالية وكلفة محدودة ، لم تعد كذلك . لقد أصبحت مكشوفة، مُستنزفة، ومحاصَرة بسلسلة من الضغوط المركّبة ، عسكرية ومالية وسياسية. والأهم أنها فقدت قدرتها السابقة على تحقيق مكاسب استراتيجية دون دفع أثمان باهظة.
في لبنان ، لم يعد حزب الله ذلك الفاعل الإقليمي القادر على الإمساك بخيوط التوازن بين الداخل والخارج .
صحيح أنه لم يخرج من المعادلة، ولن يفعل في المدى المنظور ، لكن صورته كقوة حاسمة تعرضت لتآكل واضح .
الضغوط الداخلية المتزايدة ، إلى جانب الاستنزاف الذي طال بنيته القيادية والمالية ، تدفعه اليوم نحو إعادة تعريف دوره .
لم يعد في موقع فرض المعادلات، بل في موقع السعي للحفاظ على ما تبقى من نفوذه .
في اليمن ، يبدو المشهد أكثر تعقيدا . فالحوثيون ليسوا مجرد ذراع خارجية ، بل سلطة أمر واقع ، وهو ما يمنحهم قدرة أعلى على الصمود .
غير أن ذلك لا يعزلهم عن التحولات الجارية. فالتضييق المالي، والعزلة السياسية، وتراجع شبكات الدعم، كلها عوامل تدفع نحو تقليص سقف طموحاتهم .
قد يحتفظون بقدرة على الإزعاج، خصوصًا في الممرات البحرية الحيوية ، لكن هذا الدور لم يعد تعبيرا عن مشروع توسعي ، بقدر ما هو محاولة لرفع كلفة المواجهة على الخصوم .
أما في العراق، فالصورة أكثر تركيبًا . الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تبدو أكثر اندماجًا في بنية الدولة ، وأكثر قدرة على التكيّف مع التحولات.لكنها في الوقت نفسه عالقة في معادلة معقّدة بين منطق الدولة ومنطق الارتباط الخارجي . الضربات التي طالت مواقعها، والتذبذب في وتيرة نشاطها، يعكسان واقعًا جديدًا : ليس الزوال هو السيناريو الأقرب ، بل إعادة تموضع داخل توازنات داخلية وإقليمية أكثر هشاشة وتشابكا .
الخلاصة أن المنطقة دخلت طورا انتقاليًا دقيقًا.
لم تعد أذرع إيران أدوات لتمديد النفوذ بقدر ما أصبحت كيانات منشغلة بإدارة بقائها. ستستمر، ولكن بصيغ أقل اندفاعًا، وأكثر ارتباطًا ببيئاتها المحلية ، وأشد خضوعًا لإكراهات الواقع .
إنه انتقال واضح من زمن التمدد إلى زمن إدارة الخسائر ، ومن منطق المبادرة إلى منطق التكيّف القسري مع خرائط قوة يُعاد رسمها من جديد.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية