تونس 30°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

تفكيك العقل الوطني !.

بقلم أبوبكر الصغير.

لا يوجد دولة يمكن أن تتطور حقا ما لم يتم تثقيف مواطنيها.
ليس أخطر على الأوطان من قرارات تُتخذ ببرودة الأرقام ، بينما تمسّ في العمق حرارة الروح .
ما يُطرح اليوم تحت عنوان “ ترشيد المؤسسات العمومية ” يبدو ، في ظاهره، سعيا إلى الإصلاح ، لكنه في جوهره يهدد واحدا من آخر الحصون التي تحمي معنى تونس : مشهدها الثقافي .
كيف يمكن اختزال الذاكرة في ميزانية ؟
وكيف يُقاس الإبداع بمؤشرات الربح والخسارة ؟.
هنالك قائمة مسربة مرعبة تشمل :
إلغاء مؤسسة المركز الوطني للسينما والصورة.
إلغاء مؤسسة المركز الوطني لفن العرائس.
إلغاء مؤسسة المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر.
إلغاء مؤسسة معهد تونس للترجمة
إلغاء مؤسسة مسرح الأوبرا
إلغاء مؤسسة المركز الاقتصاد الثقافي الرقمي.
وغيرها ، و لا ادري مدى صحة هذه التسريبات ، لكن المصدر جدي و هو الاستاذ احمد بن حسانة …
ان هذه المؤسسات هي ثمرة نضال أجيال كاملة من الفنانين.
لا اعتقد ان الأمر مجرد إعادة هيكلة إدارية ، بل هو مسٌّ مباشر بشبكة كاملة من المعاني، والرموز، والذاكرة الجماعية .
هذه المؤسسات لم تولد بقرار فوقي عابر، بل هي ثمرة أعمار من النضال الثقافي، من عرق فنانين آمنوا بأن الفن ليس ترفا ، بل ضرورة .
فيها كُتبت حكايات تونس، ورُسمت ملامحها، وغُنّيت أحلامها، وتُرجمت آلامها إلى لغات العالم.
أيُّ “ ترشيد” هذا الذي يبدأ بإلغاء الذاكرة ؟.
وأيُّ إصلاح هذا الذي يختار الطريق الأسهل : التفكيك بدل البناء؟ .
إن دمج المؤسسات دون دراسات عميقة، أو تفكيك هياكل دون بدائل واضحة، ليس إصلاحا … بل مجازفة بمستقبل أجيال كاملة .
فالثقافة ليست عبئا على الدولة ، بل هي استثمارها الأعمق في الإنسان .
وحين تُختزل الثقافة في أرقام ، يتحول الوطن إلى إدارة ، ويتحول المواطن إلى ملف .
تونس، التي قاومت عبر تاريخها كل محاولات الطمس ، لا تستحق أن تُختزل في منطق بيروقراطي جاف.
فهي ليست فقط طرقات ومشاريعَ وبنى تحتية ، بل أيضا مسارح تضجّ بالحياة ، وقاعات عرض تنبض بالصورة ، وكتب تعبر الحدود ، وأصوات تروي الحكاية.
إن المسألة ليست دفاعا عن مؤسسات بعينها ، بل عن فكرة كاملة :
فكرة أن الثقافة هي ما يجعل من تونس أكثر من مجرد حدودا جغرافية … يجعلها معنى .
وإذا كان الإصلاح ضرورة ، فإنه لا يكون بهدم ما تبقى من الحلم، بل بتعزيزه، وتطويره، وإعادة التفكير فيه بعقل استراتيجي لا بعجلة ظرفية.
في النهاية ، قد تُغلق مؤسسة بقرار، لكن لا يمكن إغلاق روح أمة .
غير أن تجاهل هذه الروح قد يدفعها إلى الصمت،
وحين تصمت الثقافة ، يبدأ الفراغ و ما يمكن ان ينتجه من مجهول .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية