تونس 34°C

30 ماي 2026

تونس 38°C

30 ماي 2026

حين تتكاثر النهايات … وتضيع مخارج الحرب .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

ليست كل الحروب تُخاض من أجل الحسم ، وبعضها يُترك عمدا معلقا في منطقة رمادية ، حيث لا نصر مكتمل و لا هزيمة معلنة .
ما يجري اليوم أقرب إلى مأزق مفتوح ، تتقاطع فيه القوة مع العجز ، وتُدار فيه المعركة بقدر ما تُدار الرواية .
في مثل هذا المشهد ، لا يعود السؤال : من ينتصر ؟ ، بل : من سينجح في تسويق انتصاره. فالحرب هنا لم تعد مجرد صدام عسكري ، بل تحوّلت إلى لعبة توازنات دقيقة، تختلط فيها الحسابات الميدانية بالرهانات السياسية ، ويُقاس فيها “ النصر ” بقدرته على الإقناع ، لا بصلابته على الأرض .
أحد المسارات الممكنة يمر عبر الأسلوب الذي يجيده دونالد ترامب : إعلان نصر سريع ، ثم الانصراف إلى معركة أخرى .
انه سيناريو يبدو جذابا على شاشات الإعلام ، لكنه هشّ في عمقه .
لأن العقدة الحقيقية لا تكمن في ما تم تدميره ، بل في ما لا يُرى : مواقع غامضة ، قدرات غير معلنة ، ومخزون نووي لا يخضع ليقين كامل .
وهنا ، يصبح إعلان النصر أشبه برهان معلق على شهادة تقنية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، شهادة نادرة، صعبة، ومكلفة سياسيا .
في مسار مواز ، قد يُعاد تعريف النصر ذاته : ليس بإسقاط الخصم، بل بإضعاف أدواته، خصوصا ترسانته الصاروخية .
لكن هذا التعريف يحمل في داخله بذرة هشاشته ، إذ يكفي رد محسوب من طهران بعد إعلان الانتصار ، حتى تتهاوى الرواية الأميركية ، ويتحوّل “ الإنجاز ” إلى دليل استعجال .
أما فكرة إنهاك النظام دون إسقاطه ، فتبدو أكثر دهاء ، لكنها ليست أقل خطرا .
فإيران ليست مجرد بنية حكم يمكن تطويقها، بل منظومة أيديولوجية تتغذى من التوتر وتستمد جزءا من شرعيتها من الصراع ذاته . بل إن أي إعادة تشكيل داخلية قد تدفع نحو مزيد من التشدد ، لا نحو الاعتدال ، خاصة في ظل مقاربة إسرائيلية لا ترى في بقاء النظام خياراً مقبولا أصلا .
ويبقى السيناريو الأكثر انزلاقا : حرب تستمر بلا أفق . هنا، لا تعود القوة ضمانة ، بل تتحول تدريجيا إلى عبء .
فمع تقلّص الأهداف العسكرية ، تتسع مساحة الأخطاء ، وتتراكم الكلفة الأخلاقية، وتُفتح الأبواب أمام تحولات شعبية عميقة قد تعيد رسم المزاج العام في إيران ضد خصومها. عندها ، لا تكون الضربات استنزافا للخصم بقدر ما تصبح استنزافا لمن يوجهها .
في الأفق البعيد، يلوح احتمال آخر : تسوية تُصاغ بعيدا عن ضجيج الميدان .
تفاهمات كبرى ، ربما بين قوى دولية ، لا تنهي الأزمة بقدر ما تؤجل انفجارها ، وتعيد ترتيبها في صيغة أقل اشتعالا .
حلّ لا يصنع نصرا ، لكنه يمنح الجميع مخرجا يحفظ التوازن … أو ما تبقى منه .
في النهاية، تكشف هذه الحرب حقيقة مُقلقة : المشكلة لم تعد في إشعالها ، بل في القدرة على إطفائها . وحين تتعدد سيناريوهات الخروج دون أن يضمن أيٌّ منها استقرارا دائما ، تتحول الحرب من أداة قوة إلى اعتراف صامت بعجز الاستراتيجيات .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية