بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم يعد الخطاب الصادر عن الرئيس الأمريكي مجرّد تصريح دبلوماسي يُقاس بميزان التكتيك والرسائل الموجّهة لدوائر صنع القرار في طهران .
فحين يتوجّه كلامه مباشرة إلى الشعب الإيراني ، داعيا إيّاه إلى “ اقتناص الفرصة ” و“ استعادة دولته ” و “ النزول إلى الشارع ”، فإن اللغة هنا تنقلب من قاموس الضغط السياسي إلى قاموس الهندسة المجتمعية .
عند هذه النقطة ، تكفّ الأزمة عن كونها خلافا حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي ، وتتحوّل إلى محاولة إعادة تشكيل البيت الإيراني من الداخل .
في الأعراف السياسية ، تتحدّث الدول إلى الدول ، وتنتقد السياسات لا الشعوب ، وتُدار الأزمات عبر قنوات لا تُغلق بالكامل .
لكن عندما يصبح الشعب هو المخاطَب الأول ، فهذا يعني أنّ الثقة في قدرة النظام على تعديل مساره تلاشت ، وأن واشنطن باتت تراهن على المعادلة الداخلية لا على مخرجات الطاولة الدبلوماسية .
هنا يصبح الشارع أداة استراتيجية بحد ذاتها ، لا حالة تعاطف ولا شعارا مبدئيا .
السياق يجعل الكلمات أكثر خطورة .
الدعوة الأمريكية تتزامن مع ضغط اقتصادي خانق ، وعقوبات مستمرة ، وتصعيد عسكري محسوب بدقة .
هذا التراكم يشير إلى قناعة واضحة لدى صانع القرار الأمريكي بأن النظام الإيراني لم يعد طرفا قابلا لإعادة الضبط ، بل أصبح “ مأزقا بنيويا ” لا يمكن تجاوزه إلا بتغيير داخلي . الرسالة المختصرة : المطلوب ليس تعديل السلوك ، بل تعديل النظام نفسه .
ومع ذلك ، هذا المسار ليس بلا أكلاف. فالتجارب الحديثة أثبتت أن الضغط الخارجي قد يمنح الأنظمة المتصلّبة مبرّرا لإحكام قبضتها ، وأن التلويح بـ“ التغيير من الداخل ” قد يقلب المعادلة لصالح السلطة لا ضدّها . وكثيرا ما شكّل الخطاب الخارجي مادة دعائية جاهزة لإحياء سردية “ المؤامرة ” وتعبئة الشارع المضاد .
إيران ، في هذا السياق ، تقف أمام معادلة خطرة : أي اهتزاز داخلي واسع لن يبقى شأنا محلّيا. فالدولة التي تمسك بعُقد التواصل الجيو – سياسي بين الخليج وشرق المتوسط ، ليست رقما عاديا في معادلة الإقليم .
الحديث عن “ استعادة الدولة ” لا يتعلق فقط بتغيير قيادة ، بل بإعادة تعريف العقيدة السياسية والأمنية لدولة تُمسك بخيوط أزمات عديدة.
في الخلاصة ، توجيه الخطاب إلى الشعب هو انتقال من منطق المواجهة السياسية إلى منطق الصراع على الشرعية . تغيير السلوك يمكن أن يُدار بتفاهمات وضمانات ، أما تغيير النظام فهو لعبة مفتوحة على كل الاحتمالات : اضطراب داخلي ، إعادة فرز إقليمي ، وربما إعادة رسم خرائط لم تُكتَب بعد .
هنا يُطرح السؤال الجوهري : هل نحن امام مناورة ضغط اخيرة لانتزاع تنازلات صعبة ، ام امام بداية مشروع أمريكي معلن لإعادة هندسة الداخل الايراني ذاته .


