بقلم ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).
يتشكّل، بهدوء لافت وبعيدا عن ضجيج الشعبوية والاستقطاب ، حراك سياسي وفكري داخل القارة الأوروبية ، تقوده شخصيات خبرت الحكم ، وأسهمت في صياغة السياسات ، وراقبت من موقع المسؤولية تآكل المشروع الأوروبي تحت وطأة الأزمات المتلاحقة والتحولات الجيوسياسية العميقة .
هذا الحراك لم يتخذ شكل بيان احتجاجي عاطفي ، ولا خطاب تعبوي موجّه للجماهير ، بل جاء في صيغة نداء محسوب اللغة ، بالغ الدلالة ، يقرّ بأن الديمقراطية الأوروبية بلغت لحظة مفصلية ، وأن استمرارها بات مشروطا بتحرر حقيقي من التبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة .
النداء ، الذي وقّعته أسماء وازنة من قبيل جاك أتالي ، جوزيب بوريل ، باسكال لامي ، إنريكو ليتا ، وغي فيرهوفشتات ، لا يمكن قراءته بوصفه اجتهادا فرديا أو تفكيرا معزولا .
إنه وثيقة سياسية تعكس تحوّلا عميقا في المزاج الأوروبي داخل قلب المؤسسة نفسها .
فهؤلاء ليسوا أصواتا هامشية أو معارضة تقليدية ، بل رموزا من صلب البنية الأوروبية ، ما يمنح النص ثقله الاستثنائي ، ويحوّله إلى ناقوس إنذار موجّه أولا إلى صناع القرار ، قبل أن يكون رسالة إلى الرأي العام.
جوهر الرسالة واضح وصريح : أوروبا التي بنت أمنها وازدهارها لعقود على المظلّة الأميركية ، تجد نفسها اليوم أمام شريك متقلّب ، لا يخفي عداءه للمشروع الأوروبي الوحدوي ، ولا يتردّد في توظيف أدوات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا لفرض أولوياته ومصالحه . التجربة ، كما يقرّ الموقعون ، أثبتت أن سياسة الاسترضاء لم تحمِ الاتحاد الأوروبي ، بل عمّقت هشاشته ، وكشفت ارتهانه ، ودفعت بقراراته السيادية إلى دائرة الحسابات الخارجية ، التي لا تتقاطع بالضرورة مع مصالحه ولا مع قيمه الديمقراطية.
اللافت في هذا النداء أنه لا يكتفي بتشخيص الخلل ، بل ينفذ مباشرة إلى مكامن العطب البنيوي داخل الاتحاد نفسه .
فغياب استقلالية استراتيجية فعلية ، وتشتّت القرار الدفاعي ، والارتهان لمبدأ الإجماع الذي حوّل حق الفيتو إلى أداة تعطيل مزمن ، كلها عوامل جعلت من أوروبا قوة اقتصادية كبرى بلا مخالب سياسية .
من هنا، تأتي الدعوة الصريحة إلى بناء دفاع أوروبي مشترك ، وتفعيل النصوص المعطّلة في المعاهدات ، واعتماد قراءة فدرالية أكثر جرأة لاتفاقية لشبونة ، بوصفها الإطار القانوني المتاح للخروج من المأزق ، دون الانزلاق إلى مغامرات دستورية غير محسوبة العواقب.
لكن القراءة الأعمق لهذا النص تكشف أن الرهان يتجاوز البعد العسكري الصرف .
فالدفاع المشترك، كما يطرحه أصحاب النداء ، لا ينفصل عن التنافسية الاقتصادية ، ولا عن ميزانية أوروبية قادرة على الاستثمار في البحث العلمي ، والتكنولوجيا المتقدمة ، والقطاعات الاستراتيجية .
السيادة هنا مفهوم شامل ومركّب : قرار سياسي مستقل ، واقتصاد متماسك ، وأمن لا يُستورد من الخارج .
إنها رؤية تدرك أن أوروبا لا يمكنها الادّعاء بدور عالمي مؤثر، وهي عاجزة عن حماية نفسها أو فرض أولوياتها في نظام دولي يزداد خشونة.
كما يعكس النداء وعيا متقدما بأن الخطر لا يأتي فقط من الخارج ، بل يتغذّى أيضًا من الداخل ، عبر صعود النزعات القومية والشعبوية التي ترى في إضعاف الاتحاد فرصة للتمدد السياسي .
لذلك، فإن الدعوة إلى تجاوز ما يمكن تسميته بـ ” ديمقراطية الفيتو ” ليست مسألة تقنية أو إجرائية ، بل معركة سياسية بامتياز ، دفاعا عن القدرة على الفعل ، وعن جوهر المشروع الأوروبي ذاته.
في العمق ، نحن أمام لحظة انتقال في التفكير الأوروبي : من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة التأسيس . هذا النداء لا يَعِد بحلول سحرية ، لكنه يضع الأسئلة الصحيحة في توقيت بالغ الحساسية .
هل تريد أوروبا أن تبقى كيانا يعتمد على الآخرين في أمنه وحمايته ؟ أم مشروعا سياديا يتحمّل كلفة استقلاله ؟ وهل تستطيع الديمقراطية الأوروبية الصمود في عالم مضطرب ، إذا لم تُسند بقوة سياسية وعسكرية واقتصادية حقيقية ؟ .
ما يجري اليوم في أوروبا ليس مجرد نقاش نخبوي معزول ، بل بداية تصدّع في المسلّمات القديمة التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة .
والنداء، في هذا السياق، ليس نهاية مسار ، بل بدايته : محاولة جادة لإعادة تعريف أوروبا ، لا بوصفها ملحقا استراتيجيا ، بل فاعلا مستقلا يكتب موقعه بيده في عالم لم يعد ينتظر المترددين .

