تونس 26°C

2 جوان 2026

تونس 38°C

2 جوان 2026

حين يتحوّل السلاح إلى دولةٍ موازية .

بقلم ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يعد السلاح الخارج عن سلطة الدولة في لبنان تفصيلا أمنيا قابلا للاحتواء ، ولا مجرّد ملف خلافي يُدار على هامش السياسة ، بل أضحى مع الزمن بنية موازية تُمسك بمفاصل القرار ، وتُفرغ فكرة الدولة من معناها الجوهري . فالدولة التي يُفترض أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في السلم والحرب ، جرى تفكيك قدرتها على الحسم تدريجيا ، لتغدو السيادة نفسها رهينة توازنات مفروضة ، لا تدار بمنطق الدستور والقانون ، بل بمنطق القوة والردع المتبادل .
سلاح حزب الله ، الذي قدّم لسنوات باعتباره جزءا من معادلة دفاعية استثنائية ، تجاوز هذا الإطار منذ زمن ، ليصبح عنصرا مركزيا في تعطيل المؤسسات ، وشلّ الحياة السياسية ، وتعميق الانقسام المجتمعي .
فعندما تُدار الأزمات الوطنية تحت ظل قوة مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة ، يتحوّل الخلاف السياسي إلى مشروع انفجار دائم ، وتغدو الدولة وسيطا هشا بين أطراف غير متكافئة في امتلاك أدوات العنف .
وليس مصادفة أن تترافق هذه المعادلة مع انهيار اقتصادي غير مسبوق، إذ لا يمكن لاقتصاد أن ينهض في دولة لا تحتكر قرارها السيادي ولا تمتلك وحدها حق استخدام القوة على أراضيها.
الصورة ذاتها، وإن اختلفت السياقات ، تتكرّر في اليمن بصورة أكثر حدّة ودموية .
فانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة لم يكن مجرّد نتيجة للحرب ، بل أحد أسبابها البنيوية .
تعدّد القوى المسلحة أطاح بأي أفق لبناء سلطة موحّدة ، وحوّل البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة ، تراجعت فيها السياسة لحساب فوهات البنادق ، وتفكك النسيج الاجتماعي ، وحلّ اقتصاد الحرب محلّ أي مشروع تنموي ، منتجا المزيد من الفوضى والانهيار .
وفي السودان وليبيا ، كما في مناطق من شمال شرقي سوريا ، قاد غياب احتكار الدولة للسلاح إلى النتيجة ذاتها : دول عاجزة ، مؤسسات مشلولة ، ومجتمعات تعيش على إيقاع الخوف وعدم اليقين .
فعندما تصبح القوة المسلحة بديلا عن المؤسسات ، يتآكل مفهوم الدولة من الداخل ، وتتحوّل الشرعية من عقد اجتماعي جامع إلى ولاءات ضيقة تحكمها موازين السلاح لا قواعد المواطنة.
ضمن هذا المشهد الإقليمي المأزوم ، يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى الواجهة في العراق ، لا باعتباره نقاشا تقنيا حول ترتيبات أمنية ، بل بوصفه اختبارا حاسما لمعنى الدولة وحدود سلطتها.
المواقف المتباينة داخل الفصائل ، بين قبول مشروط ورفض صريح ، كشفت أن المسألة أعمق من تفاصيل إجرائية ، وأنها تمس جوهر السؤال المؤجَّل منذ سنوات : من يمتلك حق استخدام القوة ؟ ومن يتحدث باسم الدولة ويقرّر مصيرها ؟ .
صحيح أن الضغوط السياسية والأمنية والتحركات الدولية أسهمت في إعادة فتح هذا الملف ، غير أن جوهر الأزمة لا يرتبط بزيارة مبعوث أو برسائل ضغط عابرة .
فالدولة التي تتعايش مع تعدّد السلاح ، تتعايش بالضرورة مع تعدّد السلطات. وحين يدخل السلاح في صلب المعادلة السياسية ، تفقد الدولة موقعها كمرجعية عليا ، وتتحوّل إلى ساحة تفاوض هشّة بين قوى متنافسة . عندها ، يصبح السلاح ، الذي رُفع يوما بوصفه مصدر قوة، عبئًا يهدّد مستقبل الدولة نفسها .
المسألة هنا لا تتعلّق بأسلحة فردية أو بنادق صيد ، بل بترسانات ثقيلة ومعقّدة خارج نطاق القانون ، تفرض واقعا مفاده وجود قوة موازية ، أو ما يمكن تسميته صراحة : ” دولة داخل الدولة ” . وهذا الواقع يُعدّ من أبرز مؤشرات الفشل المؤسسي ، لأن الدولة التي تعجز عن ضبط السلاح تعجز ، بالضرورة ، عن فرض القانون ، وحماية مواطنيها ، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار والتنمية.
تؤكد تقارير دولية ، من البنك الدولي إلى برامج الأمم المتحدة المعنية بالنزاعات ، وجود علاقة مباشرة بين انتشار السلاح خارج إطار الدولة وتصنيف الدول ضمن خانة ” الهشّة ” أو ” الفاشلة ” . فحيث يسود العنف ، يهرب رأس المال ، ويتقدّم اقتصاد الصراع على الاقتصاد المنتجة، وتدخل الدولة في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الأزمات بدل معالجتها.
الخلاصة أن حصر السلاح بيد الدولة ليس خيارا سياسيا قابلا للمساومة ، بل شرطا تأسيسيا لبقاء الدولة ذاتها . فلا إصلاح سياسيا ، ولا تعاف اقتصاديا، يمكن أن ينجح في ظل سلاح منفلت من القانون .
السلاح خارج الدولة لا يحمي المجتمعات ولا يصون السيادةذ، بل يفتّت الاثنين معا.
وحدها الدولة التي تحتكر أدوات العنف ، وتُخضعها للمساءلة ، قادرة على نقل المجتمع من منطق القوة إلى منطق القانون ، ومن الفوضى إلى الاستقرار .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية