تونس 26°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

في انتظار درس أخير… لا يكتبه الغياب !.

بقلم : ابوبكر الصغير.

” عندما تتعلم القراءة، ستصبح حرا للأبد ” .
لكن ماذا لو لم نعد نتعلم ؟ .
ماذا لو كان هذا واقعنا فعلا ؟.
ماذا لو تحوّلت المدرسة من فضاء للتحرر إلى بيئة تكرّس العجز وتعيد إنتاج الجهل ؟ .
في تونس، التي اعتبرت التعليم منذ الاستقلال أحد أعمدة مشروعها الوطني، يبدو أن المدرسة فقدت بريقها.
لم تعد المكان الذي يُخرج الإنسان من ظلمة الأمية إلى نور المعرفة، بل أصبحت عنوانا لأزمة أعمق، تتجاوز جدران الفصل لتطال كامل المنظومة المجتمعية و السياسية.
المدرسة ليست الوسيلة الوحيدة للتعليم، لكنها تبقى الأكثر أهمية وتأثيرا.
فالطفل موضوع عائلي، اجتماعي، وسياسي.
و الطفل نفسه في حاجة إلى تضافر جهود الدولة والأسرة والمجتمع لصياغة مساره التربوي والتعليمي.
غير أن الواقع ، واقعنا نحن ، يكشف عن تفكك في هذه الأدوار، وتخلي كل طرف عن مسؤوليته.
المدرسة وحدها لا يمكن أن تحتكر مهمة التربية، لكنها، في المقابل، لم تعد قادرة حتى على أداء دورها الأساسي في تكوين العقل وإعداد المواطن.
أزمة المدرسة اليوم تتجلى أيضا في تآكل العلاقة بين المربي والمتعلم .
فالمعلم لم يعد ذاك النموذج القادر على احتضان الطفل معرفيا و تكوينا و صقلا اجتماعيا و إنسانيا.
العملية التعليمية، في جوهرها، علاقة تبادلية، حيث يتعلم المعلم من خلال تربيته للتلميذ، ويصقل ذاته عبر ممارسة التربية.
لكن حين يغرق المعلم المربي في وهم امتلاك الحقيقة، ويضع نفسه في موضع القدوة المطلقة، تنقلب المعادلة.
دوره لا يتمثل في درس و تلقين المعرفة فحسب ، بل في مرافقة الطفل نحو اكتشاف طاقاته الكامنة وإخراج كلّ ما بداخله.
التربية فعل مشترك ، وليس وصاية.
لكن هذه المبادئ الجميلة تنهار أمام الأرقام الصادمة.
بحسب وزارة التربية والمعهد الوطني للإحصاء، هناك نحو مليوني أميّ في تونس، أي ما يقارب 17.7% من السكان.
في المقابل، لا تتجاوز هذه النسبة 1% في أغلب دول الاتحاد الأوروبي.
كما يترك ما بين 60 و100 ألف طفل، تتراوح أعمار الكثير منهم بين 10 و 12 سنة، المدرسة سنويا دون أي شهادة أو مؤهل.
إنها مأساة وطنية صامتة، ومؤشر واضح على فشل امة في حماية مستقبل أبنائها.
لكن الأخطر أن هذه الأرقام تسجل ارتفاعا في المناطق الداخلية والريفية، حيث تصل نسبة الأمية إلى 29.5%، مقابل 12.9% في المدن، مع تضرر النساء بشكل خاص بنسبة أمية تبلغ 25.6% مقابل 12.8% لدى الرجال. والمناطق الأكثر تضررا هي جندوبة (31.6%)، سليانة (29.7%)، والقصرين (30.2%).
يعمل كذلك أكثر من نصف الأميين في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصيد البحري، ما يعمّق الفجوة بين المركز والأطراف.
هذه الأرقام الكارثية تعيد طرح سؤال خطير و جوهري : كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ كيف انتقلنا من مدرسة عمومية حديثة تنشر المعارف ، كانت مفخرة للدولة الوطنية، إلى مؤسسة متهالكة تخرج سنويا عشرات الآلاف من الضحايا؟.
منذ الاستقلال، تداول على وزارة التربية 39 وزيرا، بدءا من الجلولي فارس، محمود المسعدي، أحمد بن صالح، ومحمد الأمين الشابي… أسماء حاولت أن تبني مشروعا تربويا حداثيا.
لكن و بكل اسف عرفت العقود الأخيرة ارتجالا في السياسات، وتخبطا في التصورات، وغيابا تاما لأي رؤية استراتيجية طويلة المدى.
حين التقيت برئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد، الذي يُعد نموذجا ملهما للنهضة الشاملة ببلاده ، قال لي إن تشكيل حكومته لم يكن صعبا من حيث تعيين وزراء الدفاع أو الداخلية أو الخارجية، بل كان أكبر تحدّ بالنسبة اليه : من سيُكلّفه بحقيبة التربية و التعليم .
في نظره، التعليم هو المدخل الحقيقي لأي نهضة، وهو المعيار الذي تُقاس به قوة الدول و عظمة الامم .
صدق الرجل، فالعلم هو رأس مال الشعوب، والجهل هو كارثتها الكبرى. فالتعليم وإن كان مكلفا، فإن الجهل أكثر كلفة حقيقة .
إن موت المدرسة لا يعني فقط تدهور جدرانها أو اكتظاظ فصولها، بل يعني اساسا فقدانها لدورها كفضاء للتحرر وتكوين الإنسان.
إذا لم تبادر الدولة بإصلاح جذري للمنظومة التربوية، يعيد للمدرسة رسالتها التكوينية والقيمية، فإننا سنشهد جيلا ضائعا لا يعرف القراءة، ولا يسعى إلى الحرية.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية