قلم – ابوبكر الصغير
لا تُولَد الأفعال المجيدة من رحم العفوية، ولا تُصاغ الملاحم بمجرّد عاطفة مجروحة.
فوراء كل فعل إنساني، هناك عقل يُدبّر، وفكر يُحرّك، ورؤية تستقرئ المسار قبل أن يُرسم.
إن المعضلة الأساسية في ممارسة السياسة لا تتعلّق بمدى استنارتها بنظرية خارجية أو مرجعية فكرية عابرة، بل تكمن في مدى الإيمان بالقدرة على الفعل، وتحمل المسؤولية لا مجرد استعراض النوايا.
السياسة ، في جوهرها ، ليست وصفة جاهزة، بل مسؤولية مزدوجة:
ثقة المرء في قدرته على تغيير مجرى العالم، وفهمه العميق بأن هناك دائما طريقة أخرى لفعل ما تمّ فعله، بشكل أكثر جدوى وعدلا.
أستحضر هنا حادثة نقلها لي أحد المقرّبين من الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، لا تزال عالقة في الذاكرة كوميض من لحظة مكثفة بالدلالة.
في عام 1982، حين طُرد الفلسطينيون من بيروت عقب الاجتياح الإسرائيلي، ولجأ الآلاف من مناضلي منظمة التحرير إلى تونس، كانت سفينتهم ترسو في ميناء بنزرت، حاملة تعب الجبال وآلام الشتات.
لم يكن بورقيبة في استقبالهم، بل كانت وسيلة بورقيبة، التي جمعتها علاقة متينة بالقيادة الفلسطينية خاصة أبو عمار وأبو إياد ، حاضرة رفقة وزير الداخلية إدريس قيقة، حيث أشرفا على نقلهم إلى معسكر في وادي الزرقاء.
لاحقا ، طلب ياسر عرفات لقاء بورقيبة ليشكره على احتضان تونس للمقاومة.
وصل عرفات إلى قصر قرطاج صباحا في حدود التاسعة. انتظر في قاعة الاستقبال، بينما كان بورقيبة كعادته جالسا في حديقة القصر يتأمل البحر.
حين بلّغه مدير التشريفات عبد المجيد القروي بموعد اللقاء، لم يُجِب. كرر المحاولة، بلا جدوى. استنجد بعمر الشاذلي وعلالة العويتي. تحلّق الجميع حوله، قلقا عليه، في حيرة ما عساهم ان يفعلوا أفاق بورقيبة بعد دقائق قائلا جملته التي اختزلت كل رؤيته:
” إذا تحقّق حلم الدولة الفلسطينية، تعالوا إلى قبري و(…) عليه ” .
كان بورقيبة يدرك تماما حجم التشرذم داخل الصف الفلسطيني، والصراع المرير على الزعامة واحتكار القضية.
لكنه أيضا لم ينس الجراح التي خلّفها خطابه الشجاع في أريحا سنة 1965، حين دعا إلى قبول قرار تقسيم فلسطين استنادا إلى الشرعية الدولية، فتعرّض لهجوم شرس من خصومه وحلفائه على حدّ سواء.
وما قد لا يعرفه كثيرون اليوم، أن من يقف خلف القرار السياسي الفلسطيني الخارجي ليس فقط من يتصدر الشاشات، بل شخصيتان ذات تأثير عميق في المشهد العربي : عزمي بشارة ومحمد دحلان .
عندما التقيت بالمفكر العفيف الأخضر في أكثر من مناسبة، سواء في تونس أو باريس، كان يحدثني بشغف عن سنواته في بيروت، حين كان يُدرّس الكوادر الفلسطينية في صفوف منظمة التحرير.
كانت تعرف بالجلسات العفيفية .
كان العفيف يؤمن بضرورة ترسيخ سردية عقلانية في الثورة، ثورة لا تُختزل في صراخ الحناجر، بل في وضوح الهدف وتنوع الأساليب، في وحدة الرؤية رغم تعدد المرجعيات.
الثورات لا تنتظر أحزابا لتقنن عفويتها، بل تحتاج عقلا يحدد معنى الفعل، ويحرر الممكن من قيود المستحيل.
فالفعل الثوري ليس مجرد تحدّ لما هو قائم، بل إعادة تشكيل لمعنى الحياة المشتركة، وكشف للتباينات التي تُلهم التغيير.
كان العفيف الأخضر، كالحبيب بورقيبة، سابقًا لعصره. فكلاهما حمل رؤية لم يستوعبها زمنهما.
لم ينخرط أي من القادة الفلسطينيين ، حتى يومنا هذا ، في المشروع الذي دعا إليه المجاهد الأكبر من أريحا، ولا وجد فكر العفيف الأخضر، الساعي إلى تأسيس أفق سياسي جامع للقضية، من يتبناه فعلا لا قولا.
إن العدو الحقيقي ليس سوى الجهل، ولا انتصار أبهى من هزيمته.



