تونس 31°C

21 أفريل 2026

تونس 38°C

21 أفريل 2026

صراع الظلال في سوريا : مواجهة تركية – إسرائيلية على أطلال دولة مفككة .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في ظل مشهد إقليمي يزداد اضطرابا، ومع تراجع واضح لنفوذ إيران، تبرز ملامح مواجهة غير مباشرة بين تركيا وإسرائيل فوق الأرض السورية، حيث تحوّلت الساحة السورية إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات ورسم خرائط نفوذ جديدة.
منذ الهجوم المفاجئ الذي شنّته فصائل مسلّحة من غزة على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وما خلّفه من صدمة عميقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تبنّت تل أبيب نهجا هجوميا حازما في محيطها الإقليمي. وقد تجسّد ذلك في تصعيد لافت داخل الجنوب السوري، الذي بات يُنظر إليه كموقع استراتيجي حاسم في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وجاء القصف الذي استهدف مقر قيادة الجيش السوري في دمشق منتصف يوليو كمؤشر واضح على استعداد إسرائيل لاستخدام القوة لمنع تشكّل أي تهديد قرب حدودها.
في المقابل، تسعى تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان إلى استغلال الانكفاء الإيراني لترسيخ حضورها في المعادلة السورية، من خلال دعم جماعات إسلامية متشددة، بعضها ينحدر من تنظيمات كانت مرتبطة سابقا بالقاعدة، وتسيطر اليوم على مناطق واسعة جنوب البلاد بعد انحسار سيطرة النظام السوري. ويحظى هذا التمدد التركي بدعم ضمني من بعض فصائل المعارضة، لكنه يثير قلقا متصاعدا في تل أبيب، التي ترى في التحالف المستجد بين أنقرة والسلطات الإسلامية الجديدة في دمشق تهديدا استراتيجيا يستوجب التصدي له.
الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مناطق درزية في الجنوب خلال شهر يوليو، وأسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص، جاءت لتعكس ملامح هذه المواجهة الصامتة.
ففي حين حاولت السلطة الجديدة فرض سيطرتها عبر القوة العسكرية، تحرّكت إسرائيل لإجهاض ما اعتبرته تمددا جهاديا مدعوما من تركيا يشكّل خطرا مباشرا على أمنها.
في خلفية هذا الصراع، تبدو سوريا ـ بعد أكثر من عقد على اندلاع حربها الأهلية ـ ساحة مشرعة لتدخلات دولية وإقليمية.
الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، الذي يحمل خلفية سلفية وجهادية، أقرّ دستورا في اذار يمنح السلطة المركزية صلاحيات واسعة، ويؤسس لحكم قائم على الشريعة الإسلامية.
وهو ما أثار مخاوف عميقة لدى الأقليات الدينية والإثنية، التي طالما شكّلت جزءا من الفسيفساء السورية. الهجمات المتتالية ضد الأكراد، والعلويين، والمسيحيين، وأخيرا الدروز، تُظهر توجها إقصائيا تقوده الفصائل السنية المتشددة، تحت راية ” تطهير ” البلاد من ” المتعاونين ” مع النظام السابق.
وبينما تدفع إسرائيل باتجاه نموذج فيدرالي يضمن حكما ذاتيا واسعا للأقليات ويقيّد سلطة دمشق المركزية، تتهمها أنقرة بالسعي لتقسيم سوريا وتحويلها إلى كيانات طائفية تخدم أجنداتها الأمنية.
أما الولايات المتحدة، التي راهنت طويلا على أن تخفيف العقوبات قد يفتح الباب أمام النظام الجديد للانخراط في مسارات تطبيع، فقد وجدت نفسها أمام واقع مُخالف، حيث تتلاشى أي مؤشرات على انفتاح حقيقي نحو التعددية الوطنية.
في ظل هذه التعقيدات، تغيب الحلول ويتجه الأفق السوري نحو مزيد من السواد. فالمواجهة المحتملة ـ حتى وإن بقيت ضمن الحرب بالوكالة ـ بين قوتين إقليميتين بحجم تركيا وإسرائيل، تنذر بتحويل سوريا إلى ساحة دائمة للاشتعال، ما يبدّد أي أمل في استقرار سياسي أو إعادة إعمار فعّالة.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية