بقلم – ابوبكر الصغير .
في خضم ضجيج الحروب والمواجهات في الشرق الأوسط، ومع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، تتبدى حقائق أكثر خطورة مما تنقله عدسات الكاميرات أو يدوّنه الإعلام الرسمي. لقد بدا واضحا، وبما لا يدع مجالا للشك، أن ما جرى بين الولايات المتحدة وإيران خلال المواجهات الأخيرة لم يكن أكثر من مشهد مسرحي تم إعداده مسبقا بعناية، وبتنسيق خفي يخدم مصالح كبرى ويغسل ماء وجه طهران أمام شارعها الداخلي.
حين كشفت مصادر أمريكية ، بل تحدث الرئيس الأمريكي نفسه ، عن التنسيق المسبق للضربة الإيرانية على قاعدة العديد الجوية، تتضح ملامح اللعبة.
فقد أفرغت القاعدة من الجنود والطائرات والأسلحة الحساسة قبل ساعات من القصف، لتقوم الصواريخ الإيرانية، الدقيقة نظريا، بقصف منشآت بلا روح ، بلا أثر يُذكر، بلا حتى عصفور يسقط.
ردّ محسوب، مدروس، يهدف للحفاظ على وهم ” الردع الإيراني ” ، دون الإضرار بمصالح واشنطن في الخليج. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لا في قدرات إيران الصاروخية، ولا في حسابات البنتاغون، بل في حالة التيه العربي التي تتفاقم يوما بعد يوم.
فالمنطقة اليوم ساحة مفتوحة لصراع بين أربع قوميات/مشاريع كبرى:
اولا : المشروع الاسرائيلي : عبر التمدد في العمق العربي سياسيا، أمنيا، وتكنولوجيا.
ثانيا : المشروع العثماني : بثوبه الإخواني الحديث، وسعي أنقرة لاستعادة نفوذها عبر أدوات ناعمة وأخرى صلبة في شمال سوريا وليبيا والقرن الإفريقي.
ثالثا : المشروع الفارسي : الذي يتغلغل في العراق وسوريا ولبنان واليمن تحت عباءة المقاومة .
رابعا : والمشروع العربي : الذي يبدو اليوم الأضعف، والأكثر هشاشة، والمهدد بالتفكك، إن لم يكن قد بدأ بالفعل.
الهزيمة ليست دائما عسكرية.
قد تكون سياسية، ثقافية، أو حتى في وهم ” التحالفات ” التي تنهار تحت أول اختبار حقيقي.
ما هو أخطر من سقوط طائرة أو قاعدة، هو سقوط المشروع العربي برمّته، وغياب رؤية موحدة، وشعور جماعي بالخذلان، وتبعية متصاعدة لأجندات خارجية، سواء كانت غربية أو شرقية.
إن الهزيمة العربية اليوم ليست حتمية، لكنها واقعية جدا إن لم يتم تداركها. وبدل الانشغال بتكتيكات الرد والردّ المضاد، لا بد من العودة إلى سؤال الجذور: من نحن؟ وما مشروعنا في هذه المنطقة؟ وما الذي سنقدمه في معادلة قوامها النفوذ والسطوة لا المبادئ فقط؟.
ففي لعبة الأمم، لا مكان للضعفاء، ولا وزن لمن لا يملكون مشروعا.
ليست القضية شعارات ترفع او خطب تلقى ، بل لا بدّ من جهد و عمل و مخططات تنمية و كسب للتكنولوجيات و المعارف و مراهنة على الانسان الذي هو وحده الثروة و ليس رقما في عدد سكان بلد !.



