بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في السياسة، تُصاغ القرارات إما تحت ضغط الوقائع أو وفقا لحسابات عقلانية باردة.
لكن القرار الذي اتخذه دونالد ترامب، حين أيد الضربات الإسرائيلية ضد إيران، لا يندرج ضمن أي من هذين المنطقين.
لم يكن ردا على تهديد عاجل، ولا ثمرة توافق استراتيجي داخل الإدارة الأميركية، بل كان لحظة انفصال مدهشة بين الرئيس وخطابه، بين الرجل الذي تعهّد بتجنّب الحروب، وبين ذاته التي وقّعت على إشعال إحداها بعد خمسة أشهر فقط من توليه المنصب.
في 20 يناير 2025، أعلن ترامب في خطاب تنصيبه أن معيار نجاحه سيكون عدد الحروب التي يتفاداها، لا تلك التي يخوضها.
لكن في 13 يونيو، منح نتنياهو الضوء الأخضر للانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة مع إيران.
لم يتغيّر شيء في الواقع يبرر هذا التحول، لا تهديد وشيكا ولا متغيرات استراتيجية جديدة.
وحده مزاج الرئيس تغيّر.
بدا وكأن ترامب اختار استعراض القوة بدافع الحاجة الشخصية، لا بدافع الضرورة الوطنية.
لأول مرة، بدا قرار الحرب وكأنه فعل فردي، لا قرار دولة.
لم يكن الهجوم استباقيا، بل عرضا داخليا مسرحيا، واستثمارا سياسيا في ” نصر ” حليف. ترامب، رجل الصفقات، استبدل لغة التفاوض بصوت الصواريخ، في قطيعة واضحة مع شعار ” أميركا أولًا ” الذي طالما تباهى به.
لكن الاعتقاد بأن ترامب تخلى عن مبادئ “MAGA” لصالح قناعات جديدة، هو قراءة خاطئة.
لا هو تحوّل إلى محافظ تقليدي، ولا إلى مبشّر بالديمقراطية في الشرق الأوسط.
ما يعنيه هو المكاسب الداخلية، واستعراض الهيمنة. لم يكن هدفه تغيير المعادلات الإقليمية، بل ترسيخ صورته باعتباره الرئيس الذي ” حسم ” لا الرئيس الذي ” أدار ” .
هذا ما أربك أركان حركة MAGA أنفسهم. من تاكر كارلسون إلى مارجوري تايلور غرين، علت أصوات المعترضين. لا حبا في إيران، بل رفضا لعودة أميركا إلى مستنقعات الشرق الأوسط .
فهم يدركون أن من يفتح باب الحرب، لا يملك دائمًا مفاتيح الخروج منها. وأن التصعيد قد يجرّ المنطقة نحو دوامة انتقام، فوضى، وربما تفكك داخلي يهدد أمن الجوار.
لكن الأخطر مما جرى، هو ما كشفه القرار من هشاشة العلاقة بين السلطة والمؤسسات، بين القرار العسكري والمنطق الديمقراطي. حين يصبح الرئيس أسيرا لمزاجه أو محرضا خارجيا، تفقد الدولة توازنها. والأسوأ أن يتحوّل الولاء داخل الحركة السياسية من التزام بفكرة إلى عبادة شخص. حينها، تصبح الحرب مجرد خيار آخر… قابل للابتلاع.
ترامب لم يُخدع. هو يعرف تماما ما يفعل. لكنه، كعادته، لا يحسب العواقب، بل يبحث عن الأثر اللحظي : صورة، عنوان، لحظة حضور طاغ . ما فعله ليس انتصارا أميركيا، بل استغلال لحرب ليست حربه، لخدمة سرديته الخاصة عن السيطرة والقوة.
والسؤال الأخطر لم يعد: لماذا فعلها ترامب؟ بل : من يحكم فعليا؟ هل لا تزال واشنطن صاحبة القرار ؟ أم أن الحلفاء باتوا هم من يحددون توقيت الحروب وأدواتها وأهدافها؟
في هذا المشهد، بدت إسرائيل وكأنها لم تطلب الدعم، بل فرضته. وترامب لم يتخذ القرار، بل انساق إليه. ما كان ينبغي أن يكون لحظة سيادة أميركية، تحوّل إلى اختبار مؤلم : من يقود من؟ ترامب يقود إسرائيل؟ أم أن إسرائيل، بدهائها، دفعت أميركا إلى معركة لم تكن لها؟ .
هكذا، تُكتب الحروب الكبرى من جديد… لا في غرف الاستراتيجيا، بل في نوبات المزاج والغرور.



