تونس 30°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

شرعية تُفرض بالقوة : الغرب وإعادة تشكيل القانون الدولي .

بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ اللحظة التي أمر فيها الرئيس الأمريكي بتوجيه ضربات ضد منشآت إيرانية، بدا أن الشرق الأوسط ينزلق مرة أخرى إلى دائرة الفوضى، لكنها هذه المرة تأتي متدثرة بثوب ” السلام ” .
الضربات رافقتها خطابات غربية تدّعي الحرص على الاستقرار، لكنها سرعان ما فضحت خواءها الأخلاقي وتناقضها الصارخ بين منطق القوة وادعاءات المبادئ.
الرد الإيراني جاء رمزيا، بضربة معلنة على قاعدة أمريكية مُفرغة، وكأن طهران تقول للعالم: ” نحن موجودون، لكننا لا نريد حربًا شاملة ” .
ورغم رمزية الرد، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة في الهواء : هل تُقدِم إيران على انسحاب حاسم من معاهدة عدم الانتشار؟ هل تبدأ سرا في إنتاج سلاحها النووي؟ هل نستفيق يوما على واقع جديد رسمه اليورانيوم المخصب المختبئ في الظلال ؟ .
في الجهة المقابلة، يواصل ترامب التلويح بشعارات السلام .
لكن، أيّ سلام يُبشّر به ؟ وهل باتت واشنطن عاجزة عن التمييز بين سلام حقيقي واستسلام مفروض ؟ .
الرئيس الأمريكي يتنقّل بخفة المقامر بين الدبلوماسية والتصعيد، يعيد إشعال الصراعات كلما احتاج إلى إنجاز إعلامي .
في أقل من أسبوعين، انتقل من فتح باب المفاوضات، إلى تأييد الضربات الإسرائيلية، إلى التهديد بتغيير النظام الإيراني، ثم عاد ليتحدث عن ” سلام أبدي ” .
فهل ما نشهده هو سياسة مدروسة ؟ أم نوبات مزاجية تحكم مصير المنطقة والعالم ؟ .
إن هذه الأسئلة، على أهميتها، لا تبدو سوى ملامح سطحية لأزمة أعمق : انهيار المنظومة القانونية الدولية.
بعد المجازر في غزة، ومع تصاعد التهديدات ضد إيران، يتّضح أن القانون الدولي لم يعد سوى أداة انتقائية، تُستحضر حين تخدم المصالح، وتُدهس حين تعارضها.
الغرب، الذي لا يكلّ من اتهام الآخرين بانتهاك القوانين، يمارس التجاوز بلا حرج، ويقصف دون محاسبة.
إنها حرب من نوع جديد، لا تشبه حرب العراق الوقائية عام 2003، بل تُصاغ كأنها ردّ على أزمة هو من افتعلها.
ترامب انسحب من اتفاق نووي كانت طهران ملتزمة به، فقط لأنه رضخ لضغوط إسرائيلية.
فهل يُعقل أن تبدأ حربا لأن اتفاقا ناجحا تم التخلي عنه بإرادة منفردة ؟.
المفارقة أن ” الخطر النووي ” الذي يُبررون به ضرب إيران لم يكن موجودا فعليا، بل صُنع عبر سياساتهم، ثم تحوّل إلى فزاعة يلوّحون بها، كمن يصرخ من جرح هو من تسبب به.
أما إسرائيل، فهي تسابق الزمن لتصفية حساباتها مع طهران، مستغلة لحظة ضعفها، وخشيتها الكبرى أن تنجح أي مفاوضات أمريكية معها.
لكن الجرح الأعمق لا يكمن فقط في القانون، بل في النفوس.
جراح غزة، ولبنان، والضفة الغربية، تتكاثر، وتندمج مع شعور العرب والإيرانيين بالخذلان والمهانة واليأس.
جيلٌ كامل نشأ على رماد الحروب، لم يعرف غير الانكسارات، ولم يتعلّم إلا الخسارة… فكيف لا يتكدّس الغضب في الصدور؟ .
ثم يأتي الحديث عن أوروبا، بثقلها التاريخي وعجزها الأخلاقي.
فرنسا، بريطانيا، وألمانيا، أطراف موقّعة على الاتفاق النووي، تدرك تمامًا أن ترامب هو من قوّضه، ومع ذلك لا تجرأ على إدانة الضربات الأميركية أو الإسرائيلية.
بعضهم يلمّح إلى أنها مبررة.
فهل بقي للكرامة موطئ في سياسات القارة العجوز؟ .
أما إيران، فعليها أن تواجه أسئلتها الداخلية العميقة : أين ذهبت تلك المليارات التي أُنفقت على الحروب بالوكالة، على الحلفاء في موسكو وبكين، وعلى المشاريع النووية والصاروخية، فيما البلاد ترزح تحت وطأة الفقر والتقسيم ؟ .
لكن رغم ذلك، لا ينبغي لخصومها أن يبالغوا في النشوة .
فعندما يطرح السؤال الحتمي: ” من أين جاءت كل هذه الكراهية ” ؟ .
ستكون الإجابة ماثلة، قريبة، ومتجذّرة في الواقع… لمن أراد أن يرى.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية