تونس 23°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

إسرائيل وإيران في مرآة دوغين: صراع الميتافيزيقا بين البحر والأرض .

بقلم : ا . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في عالم تتشابك فيه الجغرافيا مع الأيديولوجيا، وتذوب فيه الحدود بين السياسي والمقدّس، لا تبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل مجرّد نزاع إقليمي تقليدي، بل تتجاوز ذلك لتُقرأ ، وفق بعض المفكرين ، كصدام كوني أعمق. من أبرز هؤلاء المفكرين الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، الذي يقدّم قراءة ميتافيزيقية للصراعات الجيو – سياسية، حيث تنعكس المواجهات المعاصرة كتجليات لصراع أزلي بين قوى متعارضة للوجود والهوية.
في تصوّر دوغين، لا تُختزل السياسة في المصالح العابرة، بل هي سطح هشّ يتحرّك فوق تيارات حضارية أزلية. فالعالم، وفق نظرته، ينقسم إلى ” قوى الأرض ” و ” قوى البحر ” : الأولى تجسّد الثبات والتقاليد والعمق الروحي، ويمثّلها محور أوراسي يضم روسيا، إيران، وبعض الشعوب ذات البنية الثقافية التقليدية .
أما الثانية، فتمثّل بأميركا وبريطانيا وإسرائيل، وتعكس حضارة السوق والفردانية والتفوق التكنولوجي، في إطار نيوليبرالي عابر للحدود.
في هذا السياق، تظهر إسرائيل ككيان حداثي متقدّم تكنولوجيا، لكنه في الوقت ذاته محكوم برؤية توراتية تسعى لاستعادة الزمن الديني المقطوع من خلال فكرة ” الهيكل الثالث ” . هذا التداخل بين الحداثة والغيبيات يحوّل إسرائيل، في منظور دوغين، إلى مشروع مزدوج : غربي في بنيته، لكن مثقل بطموحات ميثولوجية.
في المقابل، تقدّم إيران كحامية ” أوراسيا الروحية ” ، أي جبهة المقاومة الثقافية والميتافيزيقية للهيمنة الغربية. إنها دولة تمزج بين الثورة والعقيدة، وتحمّل صراعها مع إسرائيل بُعدا رساليا، يضع القدس لا كمجرد ملف سياسي، بل كرَمْز يتجاوز الجغرافيا إلى عمق الأسطورة والمقدّس.
بالنسبة لطهران، لا يمثّل العدو الإسرائيلي مجرد تهديد سياسي، بل هو نقيض وجودي، يسعى إلى محو الروح تحت عجلة التحديث القسري.
هكذا يتجلّى الصراع كصدام بين رؤيتين للإنسان : الأولى ترى فيه كائنا اقتصاديا، قابلا للدمج في نظام عالمي تقني وعلماني ، والثانية تراه كجوهر روحي متجذر في التاريخ والمقدّس. إسرائيل تسعى إلى الهيمنة عبر التكنولوجيا والانتماء إلى المركز الغربي، بينما تتموضع إيران كآخر القلاع الروحية الرافضة لهذا النظام.
قد لا تحسم الحرب بمفردها مصير هذا الصدام، ولكنّ الذي سيبقى هو الفكرة الأقدر على البقاء، على التجدد، على التوغّل في الروح الجماعية. وبحسب دوغين، فإن هذه الفكرة لا تأتي من الغرب، بل من الشرق… حين يستيقظ.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية