بقلم ابوبكر الصغير.
لطالما وُصفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها دولة “ممانعة” تتحدى الإرادة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، بنت إيران خطابها السياسي على شعار “الاستقلال والسيادة ورفض الهيمنة”، وسعت لترسيخ موقعها الإقليمي عبر دعم الحركات المقاومة، وبناء قدراتها العسكرية، وتوسيع نفوذها من العراق إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن.
لكن، ماذا لو قررت إيران اليوم أن تستسلم، أو تخضع للشروط الأمريكية؟ وماذا سيكون ثمن هذا الاستسلام؟ وهل ينسجم ذلك مع تاريخها؟
ينبغي التمييز بين الاستسلام بمعناه الكلاسيكي، أي الرضوخ الكامل بدون شروط، وبين ما قد يُصوّر على أنه “تسوية كبرى” أو “إعادة تموضع”، خاصة إذا جاء في ظل ضغوط اقتصادية خانقة، تراجع الدعم الشعبي، أو تغيّر موازين القوى الإقليمية.
ومع ذلك، فإن قبول إيران بشروط أمريكية واضحة كالتخلي عن مشروعها النووي، وقف دعمها لمحاور المقاومة، أو تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهي الشروط التي طرحتها واشنطن مرارًا، سيكون فعليًا بمثابة تخلٍّ عن الركائز العقائدية للثورة الإسلامية.
إنّ القبول بهذه الشروط لا يُقرأ فقط كتنازل سياسي، بل كانتكاس رمزي وتاريخي لهوية الدولة الإيرانية ما بعد ثورة 1979.
إنه إعلان فشل لمشروع المقاومة، وانتصار للسياسة الأمريكية القائمة على الحصار والضغط القصوى، دون الحاجة لاجتياح عسكري.
بالتالي، فإن الاستسلام سيؤدي إلى اهتزاز شرعية النظام أمام شعبه، خاصة أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بخطاب “الاستقلال والمواجهة”. كما أن القوى الثورية والحرس الثوري قد ينظرون إلى التنازل على أنه “خيانة” لمبادئ الثورة.
لكن بالمقابل، قد يفتح ذلك الباب لتحسين الوضع الاقتصادي، وعودة الاستثمارات، ورفع العقوبات، ما قد يُكسب النظام فترة استقرار جديدة.
لكن الأهم، قد يتلاشى نفوذ إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن تدريجيًا، إذا ترافق الخضوع الأمريكي مع انسحاب من الملفات الساخنة.
حلفاؤها، كحزب الله والحوثيين، سيجدون أنفسهم معزولين، ما قد يعيد خلط أوراق القوة في المنطقة.
لكن هل استسلمت إيران في حروب سابقة؟
التاريخ الإيراني، الإمبراطوري والحديث، يروي فصولًا معقدة.
في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، رفضت إيران التفاوض لثماني سنوات، رغم الخسائر الكبرى، لكنها قبلت في النهاية قرار مجلس الأمن رقم 598. وصف الخميني ذلك بـ”تجرع كأس السم”، ما اعتُبر استسلامًا مرًا ولكن ضروريًا.
في التاريخ الإمبراطوري، خضعت فارس أحيانًا للضغوط الأجنبية، كما في معاهدة تركمانچاي (1828) التي وقعتها مع روسيا القيصرية، وتنازلت فيها عن أراضٍ واسعة.
إلا أن الإيرانيين في معظم فترات تاريخهم قاوموا الاحتلال المباشر، واستطاعوا الحفاظ على استقلالهم السياسي، ولو بثمن باهظ.
قد يُسوّق البعض أن خضوع إيران للشروط الأمريكية ليس استسلامًا بل براغماتية سياسية تُنقذ الدولة من الانهيار.
لكن الخط الفاصل بين البراغماتية والخيانة يظل رفيعًا في نظر شعوب المنطقة التي بنت آمالًا على خطاب المقاومة.
إيران اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تواصل المواجهة بثمن باهظ، أو أن تختار الانحناء للعاصفة، مع كل ما يحمله ذلك من تداعيات داخلية وخارجية قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.


