تونس 23°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

فرنسا بين الشعبوية وسيادة القانون: هل ما يزال العقد الجمهوري قائمًا ؟.

بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في خضم ما تشهده فرنسا من تحوّلات سياسية واجتماعية، تتعالى أصوات التحذير من تصاعد الخطاب الشعبوي وتهديده لمبادئ دولة القانون.
لم يعد هذا التهديد مجرّد موضوع للنقاش الأكاديمي أو سجال النخب، بل أصبح واقعًا متسلّلاً إلى عمق المؤسسات، ومهزًّا لمسلّمات ظلّت لعقود من ركائز الجمهورية الفرنسية.
في حوار منشور في جريدة لوموند، يعبّر ثلاثة وجوه من كبار رجال القانون: جان مارك سوسير، وجان إريك شوفي، وغيوم بودييه، عن قلق عميق من تآكل سلطة القضاء واستغلال القانون من قبل السلطة التنفيذية، بما يشبه إعادة تشكيل للنظام القانوني من الداخل.
ليس فقط من خلال القوانين المثيرة للجدل، ولكن من خلال التأويلات السياسية التي تمسّ باستقلالية القضاة، وتُدخل منطق “النجاعة” و”الاستعجال” على حساب الضمانات والحقوق.
الشعبوية، كما تظهر في المشهد الفرنسي اليوم، لا تكتفي بمعاداة “النخب”، بل تنزع نحو اختصار الإرادة الشعبية في شخصية الزعيم، وتميل إلى تصوير الحقوق الفردية كعقبات أمام السلطة الناجعة.
هكذا تُحوَّل العدالة إلى جهاز تأديبي، ويُختزل القانون في أداة طيّعة بيد السياسيين.
يشير المحاورون إلى أن ما يجري ليس مجرّد تجاوزات عارضة، بل تحوّل في تصور العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالخطابات التي تروّج لـ”القيم الأصلية” و”الهوية” تقف في تناقض حاد مع دولة القانون، التي بُنيت على حياد المؤسسات وفصل السلطات.
وحين تصبح السلطة التنفيذية هي من يقرّر ما هو قانوني، فإن مبدأ الشرعية نفسه يصبح عرضة للتفريغ من مضمونه.
لكن الأخطر من كل هذا، كما يلاحظ المتحاورون، هو اللامبالاة المتزايدة لدى المواطنين إزاء هذا التحوّل. فهناك نوع من التعب السياسي، وربما السأم من النقاشات الحقوقية، يدفع قطاعات واسعة من الفرنسيين إلى قبول الحلول السلطوية كاستجابة سريعة للأزمات الأمنية أو الاقتصادية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي : أن يُضحّى بالحريات باسم الفعالية، وأن يُقبل التراجع عن الضمانات باسم حماية النظام العام.
لقد ورثنا نظامًا حرًا من أجيال خاضت المعارك الكبرى ضد التسلط والاحتكار والاستبداد، أجيال بنت دولة القانون بالدم والتضحيات، بعد أن خبرت مباشرةً وحشية الأنظمة المطلقة.
لكن جيل اليوم، الذي نشأ في ظل مؤسسات ديمقراطية مستقرة، يبدو أقلّ حساسية تجاه مخاطر الانزلاق السلطوي. بل إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الجيل – وقد أُلقي به في أجواء قلق اجتماعي واقتصادي وهوياتي – بات مستعدًا للمقايضة : التفريط ببعض الحريات مقابل الإحساس الزائف بالأمان أو الانتماء أو السيطرة على المصير.
حين تتحول الحريات العامة – من حرية التعبير إلى استقلال القضاء – إلى امتيازات يُمكن التنازل عنها، أو إلى بنود “مرنة” بحسب الظرف السياسي، فإننا ننتقل من منطق الحقوق إلى منطق المنح المشروطة. هنا يكمن الخطر الأكبر: فالديمقراطية لا تنهار دائمًا بضربة انقلابية فجّة، بل قد تتآكل بهدوء، حين يقتنع الناس، بدافع الخوف أو الاستياء، بأن الحاكم القوي أفضل من النظام المتوازن، وأن الدولة الناجعة أفضل من الدولة العادلة.
هذه ليست فرضيات نظرية أو مخاوف مبالغ فيها، بل وقائع تاريخية مكرورة. كل نظام شعبوي بدأ بمهاجمة النخب القضائية، ثم الإعلام، ثم المعارضة، قبل أن يفرض تصورًا واحدًا لـ”الإرادة العامة” ويحتكر تفسيره. والفراغ الذي يخلّفه انسحاب المواطن من الدفاع عن دولة القانون، يُملأ سريعًا بصعود الدولة الأمنية، التي تُطوّع القانون لخدمة السلطة لا العكس.
الوقاية الحقيقية ليست في تعديل القوانين فقط، بل في ترسيخ الوعي بأن الحريات لا تُجزأ، وأن أي تراجع عنها – حتى لو بدا بسيطًا أو مؤقتًا – هو مساس بجوهر العقد الجمهوري. إن الخطر لا يكمن فقط في من يسعى للسلطة المطلقة، بل في من يقبل طواعيةً أن تُدار حياته خارج مظلة القانون المستقل.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية