صفاقس – عرب 21 :
في صباح مشرق من صباحات صفاقس الجميلة ، التي تحتفظ بعبق التاريخ في أزقتها، استيقظت المدينة العتيقة على حدث غير عادي. كان يوم الأحد، الثامن عشر من ماي 2025، حينما اجتمع الجمال بالثقافة، والتاريخ بالحلم، والفكرة بالفعل.
في دار بية العتيقة، ذات الروح الأصيلة والزخارف التي تروي قرونا من الحكايا، دشّن السيد والي صفاقس السيد محمد الحجري، رفقة الوزير السابق التيجاني الحداد وممثلي الثقافة والسياحة، وبحضور شخصيات دبلوماسية وأدبية، مشروعا استثنائيا حمل اسمًا مهيبًا: ” عرش بلقيس ” ، بحلّة جديدة وتصميم فريد يستلهم الرمزية الحضارية والثقافية للمنطقة.
لكن الحلم الذي صار واقعًا لم يكن وليد صدفة. بل هو ثمرة رؤية ثقافية ملهمة حملها الدكتور المبدع الناصر بن عرب، الطبيب الأنيق والباحث في الأدب والتاريخ، الذي ألقى في الحفل كلمة مقتضبة، لكنها كانت نابعة من أعماق قلب ينبض بالشغف والانتماء. تحدث عن أهمية الذاكرة الثقافية، عن الحنين، عن إعادة إحياء روح المدينة عبر الفن والمعمار والرموز التي لا تنسى.
دار بية، هذا القصر تلك الجوهرة المخفية في نهج شيخ التيجاني – المعروف بزقاق الذهب – لم تعد فقط نزلا تقليديا، بل تحوّلت إلى فضاء للحلم.
سبع سنوات من الترميم والصبر والحبّ أعادت إليها الحياة.
بنوافذها الصغيرة وأبوابها العتيقة، بأسرّتها العالية ودهاليزها التي تحرس الأسرار، صارت اليوم تضم مقهى ثقافيا باسم الملكة بلقيس، ومطعما ونُزلا به 16 سريرا، يستقبل الزائر كما لو كان ضيفا في حضن الذاكرة.
أما الملكة بلقيس، تلك الحكاية التي جاءت من عمق التاريخ القرآني، فكانت حاضرة بين جدران الدار، ليس كرمز جمالي فحسب، بل كصوتٍ للمرأة الحكيمة، الشجاعة، المتأملة.
كانت بلقيس ملِكة تزن الأمور بعقل وقلب، ملكة لم تستسلم لغرور العرش ولا لغواية القوة، بل وقفت في مفترق الطرق، تتفكر، تتشاور، وتختار الحوار على الحرب، والضوء على الظل.
ومن خلال هذا المشروع، بدا وكأن مدينة صفاقس العتيقة – التي تأسست سنة 849م في عهد الدولة الأغلبية – تسترجع شيئا من وهجها القديم. فالمدينة، التي لا تزال أسوارها قائمة شامخة كأنها تحرس الزمن، تجد اليوم في ” عرش بلقيس ” نبضا جديدا، ودعوة إلى أن نرى في تراثنا لا مجرد أحجار، بل قصصا حية يمكن أن تصير مستقبلا مختلفا.
لقد كان الحفل أكثر من مجرد تدشين. كان احتفالا بالذاكرة، بالحوار، بالجمال الذي لا يشيخ، وبالإرادة التي تصنع الفرق حين يؤمن أصحابها بأن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة للحياة.
ففي قلب المدينة، وفي عمق الوقت، جلس عرش بلقيس من جديد، لا في قصر من ذهب، بل في بيت من روح، يحتضن الفن والفكر،ويهمس لكل من يزوره:هنا، بدأت الحكاية …ولا تزال تروى .



