تونس 32°C

11 جوان 2026

تونس 38°C

11 جوان 2026

تركيا على صفيح ساخن : إرادة التغيير في مواجهة القمع .

بقلم أ.حذامي محجوب.

(رئيس التحرير)

لم يكن النظام التركي يتوقع أن تؤدي عمليته الأخيرة ضد رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، إلى انفجار شعبي بهذه القوة.

لكن الشارع التركي، الذي اختنق تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والقمع السياسي، لم يعد يحتمل المزيد.
خرج الطلاب في المقدمة، وتبعهم المواطنون من كل الأطياف، ليملؤوا الساحات في إسطنبول ومدن أخرى، في مشهد يعيد إلى الأذهان لحظات مفصلية من التاريخ السياسي التركي.
ومع ذلك، لم يكن رد فعل السلطة مختلفًا عن السابق، إذ لجأت إلى أسلوبها المعتاد في شيطنة المتظاهرين، فوصفتهم بالإرهابيين والمتآمرين وأعداء الدين، في محاولة واضحة لإرهاب المجتمع وإجهاض هذا الحراك المتصاعد.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما تحاول السلطة تصويره. الأزمة الاقتصادية الخانقة تدفع ملايين الأتراك إلى حافة الهاوية، حيث أصبح الحد الأدنى للأجور أقل من خط الفقر، وصارت القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية رفاهية بعيدة المنال.
انفجرت الديون الاسرية و الشخصية، وأصبح السكن اللائق حلمًا مستحيلًا، فيما يواجه المواطنون ارتفاعًا جنونيًا في الأسعار.
وفي هذا السياق، جاءت هذه المظاهرات كصرخة احتجاج جماعية، لا تنتمي إلى حزب أو تيار سياسي محدد، بل تعبر عن سخط شعب لم يعد قادرًا على تحمّل المزيد.
ومع ذلك، تحاول السلطة التهرب من المسؤولية عبر توجيه اللوم إلى المتظاهرين، متجاهلة أن الليرة التركية كانت قد انهارت لحظة الإعلان عن اعتقال إمام أوغلو وليس بعد خروج الناس إلى الشارع.
السلطة التي كانت تعتمد في بقائها على استقرار اقتصادي نسبي فقدت هذه الميزة، ومعها فقدت القدرة على احتواء الغضب الشعبي.
لم يعد خطاب التخوين والتخويف قادرًا على تهدئة الجائعين أو إقناع العاطلين عن العمل بأن الأزمة ليست حقيقية.
المداهمات التي استهدفت المتظاهرين، والاعتقالات التي طالت المئات، بما في ذلك محامو المعتقلين أنفسهم، تؤكد أن النظام دخل مرحلة المواجهة المفتوحة مع شعبه، معتمدًا على القمع كوسيلة وحيدة للبقاء.
لكن في المقابل، يبدو أن الحركة الاحتجاجية تدرك أنها أمام لحظة فارقة، وأن نجاحها لا يكمن فقط في النزول إلى الشارع، بل في تطوير استراتيجيات مواجهة ذكية، من بينها الدعوات إلى مقاطعة وسائل الإعلام والشركات المرتبطة بالسلطة، وهي خطوات قد تكون أكثر إيلامًا للنظام من أي تظاهر في الساحات.
تركيا اليوم أمام اختبار حاسم، والنظام الذي طالما استفاد من انقسام المعارضة وغياب التنسيق بين قواها المختلفة، يواجه هذه المرة حركة احتجاجية تتجاوز الأحزاب والتوجهات السياسية التقليدية.
كل محاولات السلطة لكسر وحدة هذا الحراك ستستمر، لكن الرهان الأساسي يبقى في قدرة الشارع على الحفاظ على زخمه، وعدم الانجرار إلى لعبة اليأس أو الاستسلام لفكرة أن النظام سيبقى مهما حدث.
لم يعد بإمكان السلطة استخدام فزاعة المؤامرات الخارجية أو الإرهاب لتبرير أزماتها، ولم يعد الشارع مستعدًا لتصديق روايات رسمية مفككة. إن اللحظة التي تعيشها تركيا اليوم ليست مجرد اضطراب عابر، بل منعطف حاسم قد يرسم ملامح مستقبل مختلف، والرياح هذه المرة لا تهب لصالح النظام، بل لصالح الشعب الذي قرر أن يقاوم .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية