بقلم : أ. حذامي محجوب.
لطالما كان الفن وسيلةً للتعبير عن الأفكار والمواقف، لكنه يصبح سلاحًا ذا حدين حين يتحوّل إلى أداةٍ للنيل من كرامة الآخرين والسخرية من شعوبهم وثقافاتهم .
في الإعلام التونسي اليوم، نشهد ظاهرةً متكررة تتمثل في استخدام الفن، سواء في المسرح أو الدراما ، خاصة في البرامج الترفيهية، كمنصةٍ للإساءة إلى شعوب شقيقة او صديقة أخرى عبر التنمر والسخرية اللاذعة، وذلك بحجة الكوميديا أو النقد الاجتماعي.
لكن هنا يبرز تساؤل جوهري: أين ينتهي النقد، وأين تبدأ الإهانة؟ .
مؤخرًا، أثار أحد الأعمال الكوميدية التلفزيونية في قناة رسمية جدلًا واسعًا بعدما قدم شخصية مواطن من دولة عربية شقيقة ذات ثقل ومكانة عالمية بطريقة مشوهة، حيث جُسّد بملامح مبالغ فيها وسلوك ساذج ليكون مادة للضحك والسخرية.
من المفارقات أن هذا البلد تحديدًا هو وجهة تتسابق الدول لكسب وده وتعزيز علاقاتها معه، ما يجعل هذه السخرية المجانية لا تعكس سوى قِصر نظر وسطحية في الطرح.
مثل هذه الأعمال لا تمثل جرأةً فنية، بل تعكس انحدارًا في الذوق وإصرارًا على تكريس خطاب الاستهزاء الذي يسيء إلى العلاقات بين الشعوب.
النقد الحقيقي هو ذاك الذي يكشف العيوب بأسلوبٍ راقٍ ويهدف إلى الإصلاح دون تجريح، أما السخرية التي تعتمد على إهانة الآخر والتقليل من شأنه، فهي ليست سوى شكلٍ من أشكال السقوط الاخلاقي الذي يتخفى خلف ستار “حرية التعبير”.
لا يمكن اعتبار الاستهزاء بالآخرين، بناءً على انتمائهم الجغرافي أو الثقافي ، عملاً فنياً مشروعاً، بل هو قلة ذوق أخلاقي وفكري يعكس عقلية التفوق الزائف.
إن احترام الذات الوطنية لا يكون بالتعدي على الآخرين، بل يبدأ بإدراك أن حب الوطن لا يعني كراهية الأوطان او الشعوب الأخرى، وأنّ القيم الإنسانية تقتضي التعامل بندية واحترام متبادل.
الفن، حين يكون حقيقياً، يكون جسراً بين الثقافات لا أداةً للانقسام والتفرقة.
لذلك، فإن على كل من يمارس العمل الفني والإعلامي أن يدرك مسؤولية الكلمة والصورة، وأن يعي أن حرية التعبير ليست بطاقة مفتوحة للإساءة، بل هي التزامٌ أخلاقي يضع احترام الإنسان و كرامة الشعوب فوق كل اعتبار .


