تونس 20°C

2 ماي 2026

تونس 38°C

2 ماي 2026

التصوير في العبادات بين الخشوع والاستعراض : قرار المفتي يحسم الجدل.

بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .


كنت منذ مدة قد لاحظت العديد من المعتمرين والمعتمرات والحجيج يصورون أنفسهم على المباشر، يبثون فيديوهات وهم يطوفون حول الكعبة، أو يرسلون مقاطع لأصدقائهم لحظة الدعاء لهم، وأحيانًا يلتقطون صورًا وفيديوهات لأنفسهم في لحظات السجود والخشوع.
كنت أتساءل: كيف يوفق هؤلاء بين قدسية العبادة والتصوير؟ ألا تعني العبادة الخشوع والانصهار في لحظة اتصال بالخالق، بعيدًا عن أي شواغل دنيوية؟ .
كيف يمكن الجمع بين لحظة يفترض أن تكون خالصة لله وبين استعراضها على منصات التواصل الاجتماعي؟ .
لقد أصبحت هذه الظاهرة تنتشر بشكل لافت، حيث تحوّلت بعض العبادات من تجربة روحانية خاصة إلى لحظة توثيق رقمي، كأن الخشوع يجب أن يكون موثقًا ليكتسب معناه. بل إن بعضهم يحرص على اختيار الزوايا المناسبة، والإضاءة الجيدة، وربما إضافة بعض المؤثرات البصرية قبل مشاركة الفيديو، مما يجعل العبادة تقترب أكثر من مشهد تمثيلي منها من علاقة روحية صافية بين العبد وربه. وسط هذا الجدل المتنامي، جاء قرار مفتي عام المملكة العربية السعودية ، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، ليضع الأمور في نصابها. فقد دعا الأئمة والخطباء إلى التمسك بروح الإخلاص والبعد عن الرياء والشبهات، محذرًا من أن تصوير الصلوات والمحاضرات وبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يُخرج العبادة عن جوهرها.
القرار لم يكن مجرد توجيه إداري، بل استند إلى مبادئ شرعية واضحة، حيث أكد المفتي أن العمل لا يكون مقبولًا إلا بشرطين أساسيين: الإخلاص لله، وأن يكون وفق الكتاب والسنة. واستشهد بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال فيه: “إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر”، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: “الرياء” (رواه أحمد).
الفتوى أوضحت أن تصوير العبادات، بما في ذلك الصلوات والخطب والمحاضرات، يختلف حكمه حسب النية والهدف، لكنه قد يفتح باب الرياء، خاصة في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منصات للتباهي، حتى بأكثر الأفعال خصوصية وروحانية. قد لا يكون الهدف الأول لمن يصور عبادته هو الرياء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا الحاجة إلى إثبات هذه اللحظات؟ ولماذا تُوثّق بالصوت والصورة بدلًا من أن تُحفر في القلب والوجدان؟ لقد أصبح الاستعراض سمة من سمات العصر، حيث لا تكتمل أي تجربة إلا إذا تم تصويرها ومشاركتها على منصات التواصل الاجتماعي.
وكما تحوّلت وجبات الطعام، والرحلات، والتسوق، وحتى المشاعر الخاصة إلى محتوى قابل للنشر، امتدت هذه الظاهرة إلى العبادات، فصار البعض يوثق صلاته وتهجده ودموعه في الدعاء، بل ويطلب من متابعيه الدعاء أو التعليق، وكأن الخشوع يحتاج إلى جمهور، وكأن العلاقة مع الله بحاجة إلى “إعجابات” كي تكتسب معناها. في المقابل، نجد في سيرة الصالحين والزهاد نماذج من الحرص على كتمان العبادات وعدم التفاخر بها، امتثالًا لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به” (رواه مسلم). بل إن بعض السلف كانوا يبكون في صلاتهم، فإذا شعروا بأحد دخل عليهم مسحوا دموعهم حتى لا يُرى تأثرهم، لأنهم يخشون أن تتحول مشاعرهم الخالصة إلى رياء غير مقصود.
لا شك أن التكنولوجيا الحديثة وفرت وسائل لنشر المعرفة الدينية والتوعية، وسمحت بنقل الخطب والدروس إلى الملايين، لكن الفرق كبير بين استخدام التكنولوجيا في نشر العلم وبين استخدامها في توثيق اللحظات العبادية الخاصة.
فبينما يُعد تسجيل المحاضرات الدينية ونشرها أمرًا محمودًا لما فيه من فائدة، فإن تصوير العبادات الفردية، خاصة في أماكن مقدسة مثل الحرم المكي أو المسجد النبوي، قد يحوّل هذه اللحظات من تجربة روحانية إلى “محتوى” خاضع لمعايير المشاهدة والتفاعل. قرار المفتي جاء ليعيد التوازن، ويذكّر المسلمين بأن الأصل في العبادات هو الخشوع، وليس التوثيق أو المشاركة.
فحين يصبح أداء العبادة مشروطًا بوجود كاميرا، وعندما ينشغل المرء بتعديل زاوية التصوير بدلًا من تصحيح نية التقرب إلى الله، فهنا ينبغي أن نتوقف ونعيد التفكير. العبادة، في جوهرها، علاقة بين العبد وربه، لا تحتاج إلى جمهور، ولا إلى “إعجابات”، ولا إلى تعليقات.
العبادة ليست محتوى رقميا .
فهل آن الأوان أن نعيد للعبادة سريتها وقدسيتها بعيدًا عن عيون المتابعين؟

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية