تونس 25°C

2 ماي 2026

تونس 38°C

2 ماي 2026

اللاجئون السوريون بين حلم العودة وواقع الدمار.

بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ سقوط الرئيس بشار الأسد في أوائل ديسمبر 2024، عاد ما يقرب من مليون سوري إلى ديارهم، سواء من بلدان اللجوء أو من مناطق أخرى داخل سوريا.
هذه العودة، التي كانت حلمًا بعيد المنال لسنوات، أصبحت اليوم خيارًا تفكر فيه أعداد متزايدة من اللاجئين.
ففي استطلاع حديث، أعرب 27% منهم عن نيتهم العودة خلال العام المقبل، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بأقل من 2% قبل هذا التحول السياسي.
غير أن أربعة عشر عامًا من الحرب والفوضى خلفت بلدًا منهارًا حيث حجم الدمار لا يمكن وصفه، إذ لم يسلم شيء من الخراب، لا المنازل ولا المدارس ولا المستشفيات ولا حتى البنى التحتية الأساسية كشبكات الطرق ومحطات الكهرباء ومرافق الصرف الصحي. الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وإدارة النفايات تكاد تكون معدومة، مما يجعل الحياة اليومية تحديًا مستمرًا للسكان العائدين الذين يتساءلون كيف يمكنهم البقاء على قيد الحياة وسط هذا الدمار.
تفاقمت هذه المخاوف مع تصاعد العنف في غرب سوريا، حيث قُتل مئات المدنيين واضطر المزيد من الأشخاص إلى الفرار مجددًا، مما زاد من حالة عدم اليقين حول استقرار البلاد. وعلى الرغم من أن الحكومة اعتبرت أن هذه المرحلة تمثل “فرصة تاريخية نادرة” لإعادة الإعمار، إلا أن هذه الفرصة قد تضيع إذا تفوقت الانقسامات العرقية والطائفية على إرادة السلام والعدالة واحترام حقوق الإنسان.
في حلب، حيث تعيش جالية مسيحية كبيرة، يحاول القادة الدينيون تهدئة مخاوف السكان، لكن القلق بشأن المستقبل يزداد بعد كل مجزرة جديدة، حيث يتردد السؤال حول ما إذا كانت سوريا قادرة على تجاوز إرث العنف والانقسام.
في ظل هذه التحديات، يبدو أن مستقبل البلاد يعتمد ليس فقط على نوايا الحكومة السورية والفصائل المختلفة، بل أيضًا على حجم وسرعة الدعم الدولي لإعادة الإعمار وتعزيز الأمن والاستثمارات والتنمية.
هذه العوامل وحدها قادرة على ضمان الاستقرار وعودة اللاجئين بشكل مستدام. وقد جاءت الخطوة الأخيرة من الاتحاد الأوروبي برفع بعض العقوبات بمثابة إشارة إيجابية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة عمق الأزمة. إذا لم يتم التعامل مع الاحتياجات الإنسانية العاجلة ووضع رؤية طويلة الأمد للمستقبل، فإن الانقسامات السياسية والاجتماعية ستظل مفتوحة، والتطرف سيجد طريقه للعودة، مما قد يؤدي إلى عزوف السوريين عن العودة أو إلى موجات نزوح جديدة.
ورغم الضبابية التي تحيط بالتمويل الدولي، يواصل المفوض السامي لشؤون اللاجئين جهوده لدعم اللاجئين والنازحين السوريين، من خلال تسهيل عمليات العودة الطوعية، وتقديم المشورة والمساعدات الإنسانية، مثل توفير البطانيات والملابس الشتوية وإصلاح المساكن.
كما ينتشر ممثلو المفوضية في نقاط العبور و122 مركزًا مجتمعيًا داخل سوريا، إلا أن هذه الخدمات تواجه خطر التوقف إذا لم يتوفر الدعم المالي الكافي. كما أن المنظمات المحلية، التي تلعب دورًا حاسمًا في تقديم المساعدة، تعتمد أيضًا على هذا التمويل لمواصلة عملها في ظل ظروف بالغة التعقيد.
الأزمة السورية تتجاوز حدود البلاد، حيث لا يزال هناك 5.5 مليون لاجئ في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، إضافة إلى 1.4 مليون آخرين في أوروبا. هؤلاء اللاجئون لا يجب أن يُنسوا، ولا ينبغي أن يُجبروا على العودة إلى سوريا، حيث يجب أن يكون هذا القرار بإرادتهم لضمان عودة آمنة ومستدامة.
وفي هذا السياق، تستضيف بروكسل مؤتمرًا دوليًا في 17 مارس لمناقشة الاحتياجات الملحة للاجئين السوريين وجهود إعادة الإعمار.
الآمال معلقة على أن يدرك المشاركون في هذا المؤتمر خطورة الوضع، وأن يتحرك المجتمع الدولي بجدية لتجنب كارثة إنسانية جديدة. ملايين السوريين آمنوا بإمكانية بناء مستقبل أفضل، ولا يمكن السماح لهذا الأمل بأن يتلاشى.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية