بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
باتت وسائل التواصل الاجتماعي منصة تواصل ذات تأثير هائل، لكنها للأسف تحولت إلى بيئة تروج فيها الأكاذيب وتُشوّه الحقائق بلا رقيب أو محاسب.
فمن خلال متابعتي لتلك المنصات، يلاحظ المرء انتشار صور وفيديوهات تُنشر دون أدنى تحقق من صحتها أو ارتباطها بمضمون المنشور .
فالمصداقية والدقة لم تعدا أولويات لدى كثيرين، بل أصبح السباق نحو “التريند” وجمع أكبر عدد من الإعجابات هو الهدف الأسمى.
هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد شهدنا مرارا كيف أعيد تداول مقاطع قديمة عن كوارث حصلت في أماكن وأزمنة مختلفة، وكُذّبت أو شُوّهت لتتناسب مع روايات لا تمت للواقع بصلة.
كثيرون يعبرون عن استيائهم من أنظمتهم الحاكمة بسبب ممارساتها القمعية، لكنهم في الوقت ذاته يستغلون هذه المنصات لنشر أخبار مغلوطة، تؤجج المشاعر ضد أعداء مفترضين، مستغلين صورا من حرائق أو كوارث حدثت في مناطق بعيدة مثل كاليفورنيا، ويعيدون تسويقها كأنها وقعت في أماكن أخرى، فقط ليطلقوا عبرها نيران الغضب العشوائي.
الأسوأ من ذلك أن أساليب التلاعب لا تقتصر على مجرد إعادة نشر المحتوى القديم، بل تشمل أيضًا تقنيات متطورة في تزوير الصور والفيديوهات أو قطع أجزاء منها وإخراجها من سياقها الأصلي.
هذه الوسائل المضللة تُستخدم بذكاء لإلحاق الضرر بسمعة شخصيات اعتبارية أو دول بأكملها، إذ تُعرض مشاهد من أحداث مأساوية أو نزاعات في مكان وزمان مختلفين، وكأنها وقعت ضمن سياق سياسي أو اجتماعي معين، فتُشوه صورة الأطراف المتورطة وتزرع الفتنة بين الشعوب.
هذه الممارسات لا تُخضعها أي جهة للمحاسبة، مما يسمح لتلك الأكاذيب أن تنتشر بسرعة البرق، وتأخذ مكانها في ذاكرة الجمهور، قبل أن تتضح الحقيقة لاحقا. والمشكلة أن تلك الخدعة تُلحق أضرارا كبيرة يصعب التراجع عنها، لأنها تخلق انطباعات خاطئة وتسمّم النقاش العام.
لا يمكن إنكار أن هذه التصرفات التي تعكس إحباطا حقيقيا، لكنها في الوقت ذاته “تغتال” مصداقية المعلومة وتوقعنا في دوامة من الوهم.
الحقيقة التي تظل طي الكتمان لبضع ساعات، سرعان ما تظهر لتفضح زيف الأخبار والادعاءات، مما يحول الفرح أو الغضب المؤقت إلى خيبة أمل مُرّة.
تمامًا كما يفعل المخدر الذي يهدئ الألم لفترة قصيرة ثم يعود ليترك آثاره السلبية على النفس.
الأمر لم يعد مقتصرا على هواة وسائل التواصل، بل تعداه إلى جهات سياسية وحكومية تستخدم هذه الأساليب في حملاتها الدعائية، حين تروج أخبارا وصورا مفبركة لخدمة أجنداتها.
فقد شهدنا كيف تم ترويج صور مزيفة تُظهر نزاعات دامية في مناطق بعيدة، تُقدم على أنها وقائع في دول أخرى بهدف خلق انطباعات سلبية وتشويه سمعة خصوم سياسيين أو إثارة الرأي العام ضدهم.
وفي كثير من الأحيان، سرعان ما تتكشف هذه الأكاذيب، ليُظهر الواقع أن الصور أو الفيديوهات كانت مقتطعة من أحداث قديمة أو جرت في بلدان أخرى، مما يُفقد تلك الجهات مصداقيتها ويزيد من سوء الحالة العامة.
هذه الممارسات ليست بريئة، بل هي أدوات تستغل منصات التواصل لنشر خطاب مزيف، يعزز الانقسامات ويشوه الحقائق، ويغذي الصراعات السياسية والاجتماعية.
ومهما طال الزمن، فإن الحقيقة في نهاية المطاف ستنتصر، وستنكشف الخدع وتتكشف الزيف، لتعيد إلينا ثقتنا بالمعلومة وحقنا في المعرفة الصحيحة.
لذا، فإن مسؤولية كل مستخدم تتضاعف اليوم، ليس فقط علينا أن نكون مستهلكين واعين، بل يجب أن نكون ناقلين مسؤولين، نتحقق ونعيد التفكير قبل نشر أي معلومة. لأن عالمنا الرقمي يحتاج إلى صانعي محتوى نزيهين، لا متلاعبين بالمشاعر والأفكار.


