بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
مرة أخرى، يعود دونالد ترامب إلى المسرح الدولي لا بوصفه رئيسا للولايات المتحدة، بل كمهندسٍ مزعومٍ لنظام عالمي جديد. هذه المرة، تحت لافتة براقة عنوانها ” مجلس السلام ” ، مبادرة يقدّمها ترامب باعتبارها اختراقا تاريخيا في مسارات حل النزاعات، بينما يراها خصومه محاولة فجّة لتقويض منظومة الشرعية الدولية ، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
المجلس، الذي أُعلن عنه في سياق المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام في غزة يوم 17 يناير، لم يولد كمشروع كوني الطموح . فقد بدأ كآلية محدودة الصلاحيات ، مرتبطة بدعم مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة ، والإشراف على إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية ، بتفويض مؤقت من مجلس الأمن يمتد إلى عام 2027.
غير أن ما سُرّب لاحقًا من مضامين ” الميثاق الجديد ” كشف عن تحوّل جذري في فلسفة المشروع ، وأهدافه ، وحدوده الجغرافية والسياسية .
فوفق الوثيقة المسرّبة ، لم يعد ” مجلس السلام ” معنيًا بغزة ، لا نصًا ولا روحا. بل أُسندت إليه مهمة فضفاضة وخطيرة في آن : ” تعزيز الاستقرار، وإعادة بناء حوكمة موثوقة وقانونية ، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات ” .
تعريف واسع ، بلا سقف زمني ، ولا مرجعية قانونية واضحة ، ولا آلية مساءلة .
تعريف يُقرأ في عواصم القرار بوصفه تفويضا مفتوحا لإعادة تشكيل خرائط النفوذ ، خارج منظومة الأمم المتحدة ، وليس من داخلها .
هذا التوسّع لم يكن تفصيلا تقنيا، بل انعكاسا مباشرا لرؤية ترامب للعالم : رؤية تشكّك في جدوى التعددية ، وتزدري المؤسسات الدولية ، وتتعامل مع النظام الأممي بوصفه عبئًا بيروقراطيًا عاجزا ، لا إطارا ناظما للعلاقات الدولية .
في خطابه المرافق لإطلاق المجلس، لم يتردد ترامب في تحميل مقاربات بناء السلام التقليدية مسؤولية ” إدامة الأزمات ” ، معتبرًا أن الوقت حان للتحرر من مؤسسات ” فشلت مرارًا ” ، واستبدالها بمنطق ” البراغماتية ” و ” الحس السليم ” … أي بمنطق القوة والصفقات.
تنظيميا، لا يقل المجلس إثارة للجدل. فهو يضم نحو ستين دولة ، من بينها الصين ، مع إلغاء حق النقض داخل هيكليته ، لكن مع احتفاظ ترامب نفسه بالدور الفصل في القرار النهائي .
أما العضوية الدائمة ، فمشروطة بدفع مليار دولار، في سابقة غير معهودة في تاريخ الدبلوماسية الدولية ، فتحت الباب واسعا أمام سؤال جوهري : هل نحن أمام مؤسسة سلام ، أم أمام بورصة نفوذ سياسي مغلّفة بخطاب إنساني؟.
الرهان الأميركي على حفل تدشين كبير على هامش منتدى دافوس لم يتحقق. فالتجاوب الدولي جاء باهتا ومحدودا . وحدها دول محسوبة على الخط الشعبوي اليميني أبدت حماسا واضحا، مثل المجر بقيادة فيكتور أوربان ، والأرجنتين بقيادة خافيير ميلي، وبيلاروسيا.
في المقابل ، اختارت قوى وازنة الصمت أو الرفض المبطّن .
كندا أعلنت صراحة أنها لن ” تشتري ” مقعدا ، فيما عبّرت البرازيل عن خشيتها من تركيز سلطات مفرطة بيد شخص واحد ، ومن ضرب مكانة الأمم المتحدة في الصميم.
في أوروبا ، بدت المبادرة وكأنها تصب الزيت على نار متقدة أصلا . فالعلاقات عبر الأطلسي تمرّ بمرحلة توتر غير مسبوقة، و ” مجلس السلام ” جاء ليعمّق الشكوك الأوروبية في نوايا واشنطن. فرنسا ، عبر محيط الرئيس إيمانويل ماكرون ، أعلنت بوضوح أنها لا تعتزم منح المبادرة ضوءا أخضر في هذه المرحلة ، في موقف اكتسب رمزية خاصة باعتبار باريس عضوا دائما في مجلس الأمن .
ردّ ترامب لم يتأخر، وجاء على طريقته : تهديدات تجارية ، وُصفت في باريس بأنها غير مقبولة وغير منتجة ، ما زاد من حدّة الاستقطاب.
لعل أكثر الإشارات إثارة للجدل تمثلت في توجيه دعوة رسمية إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى ” مجلس السلام ” ، في توقيت شديد الحساسية ، في ظل الحرب في أوكرانيا، ومذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه بتهم تتعلق بجرائم حرب .
خطوة رآها كثيرون استفزازا صريحا، أو محاولة لإعادة تعويم موسكو خارج الأطر الأممية . الكرملين، كعادته، اكتفى بالإعلان عن ” دراسة العرض ” ، من دون التزام أو رفض .
في الخلاصة، لا يبدو ” مجلس السلام ” مشروعا بريئا لإحلال الاستقرار بقدر ما يعكس تصور دونالد ترامب لعالم تُدار فيه الأزمات الكبرى بمنطق الصفقات ، لا بمنطق القانون الدولي ، بمنطق الزعامة الفردية ، لا التوافق الجماعي . وبينما يقدّمه صاحبه بوصفه مبادرة تاريخية ، ترى فيه عواصم كثيرة خطرا حقيقيا على ما تبقى من النظام الدولي القائم . وفي هذا السياق، لا يُعدّ التريث الأوروبي تردّدًا، بل موقفا سياسيا واعيا… وانتظارا محسوبا لعواقب قد تكون أبعد من مجرد ” مجلس ” جديد .



