أجرت أ . حذامي محجوب، رئيسة تحرير صحيفة ” عرب 21 “، حوارا خاصا مع بيمان فيان، الرئيسة المشتركة لحزب الحياة الحرة في كردستان (PJAK)، الذي يتبنى مبدأ الرئاسة المشتركة بين امرأة ورجل كخيار تنظيمي راسخ يعكس قناعة الحزب بالمساواة التامة في القيادة.
تناول الحوار رؤية الحزب إزاء التحولات السياسية الإقليمية، خاصة ما يتعلّق بالصراع الإيراني الإسرائيلي، وموقع القضية الكردية ضمن هذا السياق، إضافة إلى قراءة معمّقة في دور المرأة داخل الحركات النضالية الكردية.
سؤال : الصراع الإسرائيلي الإيراني :
برأيكم، ما الأسباب الاستراتيجية التي تدفع إسرائيل إلى مهاجمة إيران؟
هل تعتقدون أن هذا الصراع يندرج ضمن إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط؟
كيف يؤثر التصعيد الإسرائيلي الإيراني على شعوب المنطقة، وعلى الأكراد بشكل خاص؟
الجواب : الصراع الإيراني الإسرائيلي… له تداعيات داخلية وخارجية .
اذ أن الهجمات التي تتعرض لها إيران اليوم ليست أحداثا معزولة، بل جزء من مخطط استراتيجي طويل الأمد بدأ في التبلور بوضوح عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر. فبعد قيام الجمهورية الإسلامية، سعت طهران إلى فرض سلطتها داخليا عبر قمع الهويات القومية وممارسة الإبادة بحق الشعوب غير الفارسية، وخارجيا من خلال بناء ما سُمّي بـ ” الهلال الشيعي ” ، مستخدمة في ذلك نموذجًا يُمزج فيه بين القومية الفارسية والمذهب الشيعي، وهو نموذج ـ بحسب فيان ـ يتناقض مع متطلبات العصر الحديث.
داخليا، يعيش الإيرانيون في ظل تفاقم الفقر والبطالة والانتحار، وخصوصا بين النساء، بينما تُوجَّه ثروات البلاد لدعم ميليشيات كحزب الله والحوثيين ونظام البعث، ضمن استراتيجية تهدف إلى خوض المعارك خارج الحدود. إلا أن ما بعد هجوم حماس مثّل نقطة تحوّل ، إذ بدأت إيران تتعرض لهجمات مباشرة، وبدأت خسائر نظام البعث تتفاقم.
تقول فيان إن إيران باتت محاصَرة أمام خيارين: إما الرضوخ، أو مواصلة المواجهة. وبينما لجأت طهران إلى التفاوض مع واشنطن، فإنها لم تقدّم تنازلات جوهرية، ما أدى إلى تشديد العقوبات، وإلى تصاعد الهجمات.
تضيف ، أن إسرائيل ترى في إيران العقبة الكبرى أمام مشروعها للهيمنة على الشرق الأوسط. وهذه المواجهة، بحسبها، لن تكون قصيرة أو محدودة، بل مرشّحة للتصاعد واتساع نطاقها، وربما تدفع إسرائيل إلى دفع أثمان باهظة. وتشير فيان إلى أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم، وأن إيران وتركيا هما الدولتان المستهدفتان بإعادة تصميم نظاميهما.
وبالرغم من أن أي حرب ضد إيران قد تُفضي إلى كوارث إنسانية، فإن إسرائيل لا تزال تميل إلى خوضها بشراسة متزايدة.
كما تؤكد فيان أن إيران تلقت ضربات موجعة، تمثلت في مقتل عدد من كبار ضباط الحرس الثوري وخبراء نوويين. وترى أن هذه الحرب قد تُسهم في تفكيك الأيديولوجيا التوتاليتارية للنظام، الذي يصرّ على البقاء مهما كان الثمن.
وتضيف أن الدولة القومية في المنطقة أثبتت فشلها، إذ لم تنتج سوى الاستبداد، والدمار، والتهجير القسري. فالشعب الإيراني، في رأيها، يدفع منذ قرن ثمنا باهظا جراء التنقل بين استبداد الشاه وسطوة ولاية الفقيه.
وترى أن ما يجري هو تنفيذ لتصميم جديد للشرق الأوسط، تقوده القوى الكبرى وتوظف فيه الحروب لتحقيق مصالحها. منذ مائة عام، يتم تفكيك المجتمعات على أساس قومي، وتحويل الدولة إلى أداة لسحق الإنسان. واليوم، تُعاد صياغة هذا المشهد باستخدام أدوات الطائفية والدين والهيمنة القومية.
تشدد فيان كذلك على أن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس الديمقراطية، واحترام إرادة الشعوب، وتجاوز المفاهيم الإقصائية التي سادت طوال القرن الماضي. وتنتقد القوى المهيمنة لرفضها الاعتراف بوجود الشعوب ككيانات ذات حق في تقرير مصيرها.
تؤكد أن الشعب الكردي يمكن أن يلعب دورا محوريا في بناء شرق أوسط ديمقراطي، خاصة في ظل امتلاكه إرادة سياسية وتنظيما شعبيا عميقا . ومع ذلك، فإن الكرد، وخصوصا في إيران، يواجهون خطرا وجوديا في ظل عسكرة مناطقهم من قبل النظام.
تشير فيان إلى أن الحرس الثوري الإيراني يرفع من جاهزيته في شرق كردستان، ما ينذر بإمكانية تحويل هذه المنطقة إلى ساحة حرب. ورغم أن الكرد في إيران هم من أكثر الشعوب تنظيما سياسيا، فإنهم غير مستعدين لحرب جديدة قد تكلّفهم أثمانا فادحة.
و تختم فيان بالتأكيد على أن الوجود الكردي بات حقيقة لا يمكن تجاوزها. فبعد عقود من القمع والإنكار، أصبح من الضروري الاعتراف بالشعب الكردي كجزء أصيل من شعوب المنطقة. وتدعو في الوقت ذاته إلى تنظيم المجتمعات المدنية كي لا تبقى رهينة للحكومات أو للقوى الخارجية.
تقول: ” الخطر واضح… وإذا لم ننظّم أنفسنا، فالإبادة مستمرة ” .
سؤال : بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط الذي هو بين نار الحروب وأمل التحول .
مستقبل الشرق الأوسط
كيف ترون هذا المستقبل في ظل التحولات الجيوسياسية الأخيرة؟
هل تعتقدون أن هناك فرصة حقيقية لإرساء استقرار دائم، أم أن الصراعات مرشحة للتصاعد؟
ما دور القوى الدولية الكبرى في رسم هذا المستقبل؟
جواب : ما زال الشرق الأوسط غارقا في دوامة لا تنتهي من الحروب والصراعات التي تُعيد رسم خرائطه الجيوسياسية والديموغرافية. هذه الصراعات لا تؤدي فقط إلى إعادة توزيع النفوذ، بل تدفع الآلاف إلى النزوح والتهجير، ليتحولوا إلى لاجئين في أوطانهم أو خارجها. تُمارَس السيطرة على الأرض وثرواتها بأساليب تتراوح بين الاحتلال المباشر والإبادة غير المعلنة، فيما تستمر القوى الرأسمالية في استغلال خيرات المنطقة وتقاسمها.
منذ عام 2010، مع انطلاق ما سُمِّي بـالربيع العربي ، وما تبعه من صعود تنظيم داعش وتدخلات قوى إقليمية ودولية، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من العنف البنيوي. لم تمر سنة من دون أن تندلع حرب في إحدى دول المنطقة. مئات الآلاف من السكان فقدوا حياتهم أو اضطروا لعبور البحار بحثا عن مأوى، ليجدوا أنفسهم في أوروبا كيد عاملة رخيصة تُستغل لصالح النظام الرأسمالي العالمي.
كل ذلك يُعد نتيجة مباشرة للسياسات الجيوسياسية المفروضة على المنطقة. فـعفرين وشنكال نموذجان مأساويان لهذا الواقع : آلاف المدنيين هجّروا من عفرين، ولا يزال الإيزيديون في شنكال يعيشون بلا حماية أو استقرار.
تُحذّر فيان من أن استمرار هذه السياسات التقسيمية، واستمرار ذهنية الدولة القومية القائمة على التسلّط والعسكرة، سيقود المنطقة إلى المزيد من الكوارث. وهي ترى أن الخلاص لن يأتي إلا عبر تبنّي نظام الكونفدرالية الديمقراطية، كنموذج للحكم والإدارة يُراعي خصوصيات الشعوب ويوفّر أرضية للعيش المشترك.
وترى أن الصراع بين إيران وإسرائيل مثال صارخ على الحروب المفروضة التي لا تمت بصلة إلى حقوق الشعوب أو تطلعاتها. هذه ليست حروبا من أجل الحرية، بل صراعات قوى تسعى إلى الهيمنة وتُدار بعقلية سلطوية ذكورية، تُغذّيها النزعة الفاشية.
تضيف فيان أن القوى العالمية أثبتت عجزها عن جلب الديمقراطية للمنطقة، وأن الشرق الأوسط الذي كان مهدا للحضارات عبر آلاف السنين، تحوّل إلى ساحة دائمة للدمار والصراعات. الهدف الحقيقي، من وجهة نظرها، هو السيطرة على شعوب المنطقة ونهب ثرواتها.
لكنها تؤمن بأن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن بناؤه إلا على أسس ثقافية محلية أصيلة، لا على مشاريع تفرضها الدول القومية أو القوى الكبرى. فقط من خلال نموذج الكونفدرالية الديمقراطية يمكن تحقيق سلام دائم وتعايش مستقر بين الشعوب.
تشدد فيان على أن شعوب المنطقة هي وحدها من تملك الحق في اختيار نمط حياتها ونظامها السياسي. وعلى الرغم من أن نذر الحروب لا تزال قائمة، إلا أن هناك فرصة حقيقية لبناء شرق أوسط ديمقراطي تتّحد فيه الشعوب حول قيم الحرية والمساواة.
سؤال : ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعب الكردي في صياغة مستقبل المنطقة؟
هل ترون أن الأحزاب الكردية جاهزة سياسيا وميدانيا للتأثير في المشهد الإقليمي؟
ما تقييمكم لاستعداد المجتمع الكردي، خاصةً من حيث التنظيم والبنية السياسية؟ .
جواب : تعتبر فيان أن الشعب الكردي من أكثر شعوب المنطقة وعيا وتنظيما، وقد أثبت عبر نضاله الطويل قدرته على تقديم بدائل واقعية. وبحكم تجربته التاريخية العميقة، يتبنّى الكرد خيار العيش المشترك، ويرفضون الاصطفاف خلف مشاريع القوى الخارجية أو الأنظمة القومية السلطوية.
اختار الكرد السير في ” الخط الثالث ” ، أي طريق الاستقلالية النضالية ، بعيدا عن الاستقطابات الإقليمية. فخلال أكثر من خمسين عاما من الكفاح، تمكّن الكرد، بفضل فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، من استعادة وجودهم السياسي والثقافي، وباتوا أصحاب قرار وإرادة.
اليوم يخوض الكرد مرحلة جديدة من التحرر، ليس فقط كقومية تبحث عن حقوقها، بل كمشروع حضاري يُقدّم نموذجا مختلفا للمنطقة. كما قال أوجلان: ” الكردي الحر هو الهوية الجديدة للشرق الأوسط ” . ويثبت الكرد أنهم قادرون على أن يكونوا القوة الدافعة نحو التغيير الديمقراطي في المنطقة.
في روجآفا (شمال شرق سوريا)، جسّد الكرد عمليا مفهوم وحدة الشعوب وتعايشها، ونجحوا في بناء نموذج إداري ديمقراطي شامل. هذا النموذج ألهم مناطق كردية أخرى، مثل روجهلات (شرق كردستان)، حيث تزداد الجهود لتعزيز التنظيم والمقاومة رغم التحديات.
ورغم عدم تحقّق الوحدة الوطنية الكردية الكاملة، فإن الشعوب الكردية في مختلف أجزاء كردستان تتقاسم روحا نضالية واحدة. هذه الروح تُقلق أعداء الكرد الذين يحاولون بثّ الانقسامات. من ذلك، ما يُحكى عن محاولات الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) فرض أجندات حزبية ضيقة في شرق كردستان من خلال تحالفات محلية، وهي محاولات ترفضها PJAK بشكل قاطع، وتدعو إلى مواجهتها بموقف وطني موحَّد.
ترى فيان أن نموذج باشور (جنوب كردستان) القائم على القومية الذكورية لا يصلح أن يُطبَّق في روجهلات، حيث يرفض الشعب تلك العقلية، ويفضل السير نحو نموذج ديمقراطي تعددي.
وفي هذا الإطار، تدعو PJAK إلى بناء وحدة سياسية كردية في شرق كردستان تقوم على الاحتياجات المشتركة والحوار السياسي، وليس على المصالح الحزبية الضيقة. هذه الوحدة قادرة على لعب دور ريادي حتى في مواجهة النظام الإيراني نفسه.
وتؤكد فيان أن الكرد لم يعودوا يخضعون لأي جهة تتحدث باسمهم. فقد بات القرار السياسي والتنظيمي في يد القاعدة الشعبية، وهي من تُحدّد مسارها النضالي وتضع رؤيتها للمستقبل.
وتختم بالإشارة إلى ثورة Jin Jiyan, Azadî (المرأة، الحياة، الحرية) التي انطلقت من روجهلات، وامتدت لتصبح حركة اجتماعية وثقافية وسياسية تهزّ أركان النظام الإيراني. لقد تحوّل هذا الشعار إلى أيقونة في إيران، وبمثابة نهضة حقيقية في الشرق الأوسط.
وترى فيان أن الشعب الكردي اليوم لم يعد فقط يطالب بحقوقه، بل أصبح يُجسّد نموذجا جديدا للحياة والحرية والتنظيم في المنطقة.
سؤال : المرأة الكردية تُعدّ رمزًا للنضال في كثير من المحطات. ما دورها في الحاضر، وكيف ترون مستقبل مشاركتها؟
هل هناك خطط أو استراتيجيات لتعزيز تمكين النساء في المجتمع الكردي سياسيًا واجتماعيًا؟
جواب : المرأة الكردية ، قلب الثورة وعقلها ، لا يمكن الحديث عن نهوض الشعب الكردي دون تسليط الضوء على الدور المحوري الذي لعبته المرأة الكردية، فهي ليست مجرد عنصر مشارك في الحراك السياسي والاجتماعي، بل تمثل ركيزة أساسية في مشروع الحرية والديمقراطية الكردي. لقد كانت وما زالت القوة الدافعة للتغيير الجذري داخل كردستان، في مواجهة كل أشكال الاحتلال القومي والعقليات الذكورية السلطوية.
من خلال نضالها الطويل، استطاعت المرأة الكردية كسر القيود التقليدية والانعتاق من الأنماط الاجتماعية الجامدة، وقدّمت تضحيات جسيمة دون تردد، سواء في الجبال أو السجون أو الساحات العامة. تحولت بذلك إلى رمز للكرامة والمقاومة، وصارت تمثل نموذجًا يُحتذى به في الثورات العالمية.
بعكس معظم حركات التحرر التي أخّرت مطالب النساء لحين تحقيق الاستقلال القومي، اختارت المرأة الكردية أن تكون الثورة بحد ذاتها. في روجآفا، لم تكن النساء مجرد مشاركات، بل كنّ في صدارة قيادة الثورة، ورفضن بوضوح أن تُدار حياتهن من قبل الذهنية الذكورية.
أصبح حضور النساء الكرديات اليوم في مواقع القرار واقعا لا يمكن تجاهله، وهنّ يشاركن في صياغة السياسات المصيرية، سواء في السلم أو الحرب. لقد تبلورت تجربة الإدارة التشاركية التي تضمن مشاركة النساء الفعلية، وأرست قواعد لمجتمع أكثر عدالة ومساواة.
هذا التحول البنيوي ما كان ليتحقق لولا التنظيم الواعي للمرأة، ممثلًا في كيانات مثل KJAR – مجتمع النساء الحر في شرق كردستان، والذي يتمتع بقدرات سياسية وتنظيمية ودفاعية راسخة. تؤمن المرأة الكردية بأن من لا تستطيع حماية نفسها، لن تستطيع حماية مجتمعها أو وطنها، ولهذا برزت الحاجة إلى تأسيس نظام دفاع ذاتي خاص بالنساء كخطوة استراتيجية لمواجهة التهديدات المستمرة.
وقد تجسدت هذه الفلسفة التحررية في شعار ” المرأة، الحياة، الحرية ظ” (Jin, Jiyan, Azadî)، الذي تحوّل من شعار ثوري إلى رمز عالمي للنهضة النسوية. القرن الحادي والعشرون هو بلا شك قرن ثورة المرأة، والثورة الكردية النسائية تمثل طليعته في الشرق الأوسط.
ولأن التغيير يبدأ من الوعي، أُسست أكاديميات نسوية لتدريب النساء على العمل السياسي والتنظيمي، انطلاقًا من مبدأ أن القيادة الحقيقية تنبع من معرفة الذات. السياسة هنا ليست سلطة، بل ممارسة إرادية وواعية للحرية. حتى داخل السجون، تواصل النساء الكرديات نضالهن لتأكيد حضورهن، كما في حالة زينب جلاليان، وريشة مرادي، وبخشان عزيزي، اللواتي يجسدن روح المقاومة والإرادة.
إن المرأة الحرة ليست فقط من تحررت من قيد الرجل، بل من ساهمت في تحرير مجتمعها بأكمله. ولهذا، فإن بناء تحالف نسوي قوي، يربط بين السياسات والدفاع والثقافة، هو حاجة ملحّة في الشرق الأوسط، وخطوة لا غنى عنها لتأسيس نظام ديمقراطي حقيقي.
سؤال : ان ديمقراطية المجتمع من المفاهيم المركزية في الفكر السياسي الكردي. كيف تترجمون هذا المفهوم عمليًا؟
هل تعتقدون أن ديمقراطية المجتمع قادرة على تقديم بديل فعّال للأنظمة التقليدية في المنطقة؟
ما هي التحديات التي تواجهونها في تطبيق هذا النموذج، خاصة في بيئة مليئة بالصراعات؟ .
الجواب : ان ديمقراطية المجتمع ، الطريق نحو تحرر الشعوب . من خلال تجربة طويلة ومليئة بالتضحيات، قدّم الشعب الكردي فهما عمليا ومعيشيا للديمقراطية، مختلفًا عن الشعارات النظرية التي ترفعها الأنظمة الاستبدادية. فالديمقراطية الكردية ليست مجرد شكل من أشكال الحكم، بل مشروع تحرر اجتماعي شامل ينبع من القاعدة الشعبية، ويجعل من المشاركة الجماهيرية حجر الأساس.
المجتمع الحر هو ذاك الذي يضمن لكل فرد – نساءً ورجالًا، شبابًا وشيوخًا – الحق في التعبير عن هويته وإرادته وثقافته، والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار. هذا المفهوم يتجسد اليوم في مشروع ” الديمقراطية المجتمعية ” الذي يقوده الشعب الكردي، والذي يسعى لتحرير السياسة من احتكار الدولة الذكورية والنظم القومية المغلقة.
كردستان، بتعدديتها الثقافية والدينية والقومية، تمثل نموذجًا حيًا لمفهوم الوطن المشترك، حيث لا تُختزل المدينة أو الأرض في قومية واحدة. خذ مدينة أورمية كمثال، فهي ليست ملكًا لقومية بعينها، بل حاضنة لتعايش جماعي متساوٍ بين مكوناتها.
الإدارة التشاركية تمثل أحد أعمدة هذا النموذج، حيث يُعاد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية جماعية، لا احتكارًا فرديًا أو فئويًا. وكلما تعزز هذا النهج، كلما تراجعت هيمنة الدولة المركزية ونفوذ النخبة الطبقية.
هذا الفهم يُشكّل بديلًا جذريا للنظام القومي الكلاسيكي الذي يعمّق الانقسامات والحروب، ويعيد إنتاج الأنظمة القمعية. الديمقراطية المجتمعية، على النقيض، تعترف بالاختلاف وتعتبره عنصر غنى، وتربط بين حرية كل جماعة بحرية الجماعات الأخرى.
رغم التحديات الكبرى، بما في ذلك سياسات الإبادة والصراعات المموّهة بشعارات الديمقراطية، تبقى إرادة الشعوب هي العنصر الحاسم. فقط عندما تعترف الشعوب ببعضها، وتربط مصيرها المشترك على قاعدة الاحترام والعدالة، يمكن تحقيق السلام الحقيقي.
وفي هذا السياق، تبرز المرأة مرة أخرى كقوة تأسيسية لا غنى عنها في بناء الديمقراطية. فحرية المرأة ليست قضية ثانوية، بل الشرط الأساسي لحرية المجتمع بأسره. كل تقدم ديمقراطي في كردستان، وكل تجربة ناجحة في الإدارة الذاتية، تحمل بصمة المرأة التي أعادت تعريف السياسة من منطق الهيمنة الى منطق الشراكة .


