بقلم : أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تحوّلت قناة بنما، التي يمر عبرها نحو 6% من التجارة العالمية، إلى ساحة مواجهة جديدة في الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.
ففي هذا الممر البحري الضيق الممتد على 80 كيلومترًا، تتقاطع المصالح الاقتصادية مع رهانات النفوذ الاستراتيجي، ما جعل من القناة اختبارًا حقيقيًا لقدرة واشنطن على كبح التمدد الصيني في أميركا اللاتينية.
في قلب هذا النزاع تقع مجموعة “CK Hutchison” الهونغ كونغية، التي تدير منذ 1997 محطتين بحريتين على طرفي القناة.
وقد أعلنت المجموعة مؤخرًا عن صفقة لبيع هذه الأصول –إلى جانب عشرات المحطات في دول أخرى– لصالح صندوق “بلاك روك” الأميركي، في خطوة أثارت غضب بكين التي اعتبرت القرار خضوعًا للضغوط الأميركية وتجاهلًا لمصالحها الاستراتيجية.
زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسث إلى بنما في 8 -9 أبريل الجاري جاءت لتؤكد هذا التوجه.
فعلى الرغم من لهجته الهادئة نسبيًا، أصرّ على حصول السفن العسكرية الأميركية على حق المرور المجاني والأولوية، و طرح فكرة إحياء الوجود العسكري الأميركي في البلاد، وهو ما رفضته السلطات البنمية بشكل قاطع، مؤكدة التزامها بعدم استقبال قواعد أجنبية.
أما الصين، فاعتبرت الصفقة إهانة لهيبتها، لا سيما أن “CK Hutchison” تنتمي لمنطقة تعتبرها تحت نفوذها السيادي، ولو بشكل غير مباشر.
وردًّا على ذلك، فتح المنظم الصيني تحقيقًا احتكاريًا لتعطيل الصفقة، وهددت وسائل الإعلام الرسمية الشركة بعواقب “وخيمة” إن لم تتراجع.
كما أُمرت الشركات الحكومية الصينية بتجميد أي مشاريع مستقبلية مع المجموعة.
تتجاوز هذه الأزمة مجرد نزاع اقتصادي، إذ إنها تلامس جوهر التنافس بين نموذجين عالميين: الهيمنة الأميركية التقليدية، والطموح الصيني الذي يتمدد عبر مبادرة “الحزام والطريق ”.
وفي هذا الإطار، ترى واشنطن في القناة بوابة استراتيجية لا يمكن السماح بسقوطها في المدار الصيني، بينما تعتبرها بكين جزءًا من شبكة نفوذها العابر للقارات.
من جانبها، تجد بنما نفسها محاصرة بين العملاقين. ورغم تأكيدها على حيادها السيادي، إلا أن ما كشفه المدقق العام البنمي حول وجود “مخالفات” في تجديد امتياز تشغيل المحطات عام 2021 قد يفتح الباب أمام إعادة التفاوض وربما إلغاء العقد بالكامل، ما يضفي بُعدًا قانونيًا على الأزمة ويزيد من تعقيداتها.
قناة بنما، التي كانت في القرن العشرين رمزًا للهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، تعود اليوم لتلعب الدور ذاته في صراع القرن الحادي والعشرين، حيث تختبر الصين والولايات المتحدة حدود القوة والنفوذ في عالم متعدد الأقطاب.



