تونس 34°C

22 أفريل 2026

تونس 38°C

22 أفريل 2026

سلطانُ القاسمي … حيثُ يتجلّى الحُكم نورا ويُبعث القلمُ وطنا .

بقلم – ابوبكر الصغير .

ليس من السهل أن تُكتب الكلمات عن قامةٍ بحجم و عظمة قائد و زعيم و سيّد في قومه و عنوان خير في أمته ، سلطان بن محمد القاسمي ، لأن اللغة ، مهما اتّسعت ، و ثرت تبدو أحيانًا أضيق من أن تحتوي سيرة رجل جمع بين صرامة الحُكم ونقاء الحرف ، جمع بين حكمة القائد وشغف الباحث ، بين قلب يسكن الناس وعقل يسكن التاريخ .
سلطان بن محمد القاسمي ، هو ليس حاكمًا يُدير إمارة فحسب ، بل فكرةٌ تمشي على الأرض ، ومشروعٌ حضاريٌّ يتنفس في كل زاوية من زوايا امارة الشارقة الرائدة الخيّرة .
هناك تحديدا ، حيث لا تُقاس المدن بحجم جغرافيتها ، بل بعمق أثرها ، صنع من الثقافة نبضًا يوميًا ، ومن المعرفة خبزًا روحيًا لا ينضب .
لم يكتف سلطان بن محمد القاسمي بأن يفتح أبواب التنمية ، بل فتح أبواب الوعي ، وجعل من الكتاب صديقًا دائمًا للإنسان ، ومن المسرح مرآةً للروح ، ومن التاريخ ذاكرةً تُستعاد بإنصاف .
في حضرة سموه ، لا يكون الحكم سلطةً تُمارس بتعالي ، بل مسؤولية تُحمل في القلب .
يكتب كما يحكم، ويحكم كما يفكر ، بانضباط العالم الحكيم ، وصدق المؤمن برسالة و عظمة الكلمة .
فلا عجب أن تتحول الشارقة في عهده إلى عاصمة عالمية للمعرفة ، لا تُنادي بها الشعارات ، بل تشهد عليها المكتبات ، والجامعات ، والمسارح ، و المتاحف ، وكل روحٍ تعلّمت كيف ترى العالم بعيون أكثر اتساعًا .
أما حين يمسك سلطان بن محمد القاسمي القلم ، فإننا لا نكون أمام مجرد حاكم يكتب او يخط كلمات او نصا ، بل أمام عارف حكيم علامة مؤرخ يُنصف ، وأديبٍ يُبدع ، وباحثٍ يُدقّق في التفاصيل كما لو أنه يعيد ترتيب الزمن نفسه.
في مؤلفاته، لا يسرد التاريخ ببرود ، بل يُنقّبه كما يُنقّب عن الحقيقة في قلب الصخر ، حتى تستعيد الأحداث معناها الإنساني ، وتتحرر من التشويه والنسيان .
يكتب سلطان بن محمد القاسمي ليُضيء، لا ليُزيّن، ويستحضر الماضي ليمنح الحاضر بوصلةً لا تضل.
كم في كتبه و مؤلفاته و كلماته من وفاءٍ لذاكرة الأمة ، وكم فيها من شجاعةٍ في مواجهة الروايات الناقصة أو المنحازة .
إنه يُعيد كتابة الحكاية العربية بروحٍ عالمة ، لا تنحاز إلا للحقيقة ، ولا تنكسر أمام التعقيد. وهنا تتجلّى عظمة سلطان بن محمد القاسمي في قدرته على الجمع بين العقل والقلب ، بين الدقة والدهشة ، بين العلم والجمال ، بين الحكمة والمعرفة .
ولعلّ أكثر ما يميّز تجربته هو هذا الإيمان العميق بأن الثقافة ليست ترفًا يُؤجَّل ، بل ضرورةٌ تُبنى بها الأمم .
لذلك لم تكن إنجازاته الثقافية مشاريع عابرة ، بل جذورًا ممتدة في تربة المستقبل ، تُنبت أجيالًا تعرف قيمة الكلمة ، وتؤمن بأن المعرفة هي الطريق الأصدق نحو النهضة .
إنه الرجل الذي جعل من القلم امتدادًا للسلطة ، ومن السلطة حارسًا للقلم .
لم يسمح سلطان بن محمد القاسمي أن تكون السياسة على حساب الثقافة ، ولا أن تكون الثقافة بعيدةً عن هموم الناس . فالتقى في مشروعه الإنسان بالتاريخ ، والهوية بالمستقبل ، والواقع بالحلم.
وفي زمنٍ تتزاحم فيه الضوضاء، يظل صوت سلطان بن محمد القاسمي هادئًا … لكنه عميق .
ثابتًا … لكنه متجدّد .
بسيطًا… لكنه ممتلئٌ بحكمة التاريخ و الأزمان .
كأنه يقول لنا ، دون أن يرفع صوته : إن الأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالفكر، ولا تُخلّد بالثروة، بل بالأثر .
وهكذا، لا يكون الحديث عن سلطان بن محمد القاسمي مجرد إشادةٍ بحاكم ، او بشخص ، بل احتفاءٌ بفكرةٍ أكبر و اعظم : أن يكون الحاكم ، هرم الدولة مثقفا ، وأن يكون المثقف مسؤولًا ، وأن تلتقي في إنسان واحدٍ كل هذه المعاني ، فتتحول حياته إلى رسالة ، وأثره إلى نور يمتدّ أبعد من حدود المكان والزمان .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية