تونس 21°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

قراءة هادئة في بيان ” النهضة ” :” الكلّ متآمر إلا نحن ” .

تونس – عرب 21 : ابوبكر الصغير .

بيان حركة النهضة الصادر يوم 8 جويلية 2025، عقب صدور الأحكام القضائية في ما بات يُعرف بـ ” قضية التآمر على أمن الدولة 2 ” ، يمثل محاولة سياسية مزدوجة : من جهة، دفاع عن النفس في مواجهة آلة السلطة ، ومن جهة أخرى، محاولة لإعادة صياغة خطاب الضحية ضمن مشهد سياسي يتغير بسرعة ويفرض شروطا جديدة للنجاة أو البقاء .
لكن هذا البيان، و الذي تم نشره بتوقيع غاب لفترة ” عن المكتب التنفيذي ” و رغم حِرفيّته اللغوية، لا يخلو من مفارقات صادمة وتناقضات صارخة، يمكن قراءتها على أكثر من مستوى :

  1. الخطاب المزدوج : بين ” الديمقراطية ” و ” الإنكار ” .
    البيان يفتتح باتهام القضاء التونسي بأنه أداة في مسار تصفية المعارضين، ويصف الأحكام بـ ” الجائرة ” ، وهو توصيف متوقّع بالنظر إلى هوية الأطراف المدانة. لكن المفارقة أن النهضة، التي كانت في السلطة لعشر سنوات، ساهمت في ترسيخ منظومة قضائية هشة، ولم تدافع يوما بجدية عن استقلالية القضاء إلا عندما أصبح هذا الأخير خصما لها.
    فهل من المعقول أن نرى الحزب الذي أمسك بجهاز الدولة لفترة طويلة، يتحوّل فجأة إلى ضحية مطلقة؟ هل نحن إزاء اعتراف غير مباشر بأن العدالة لم تكن مستقلة لا في الأمس ولا اليوم ؟.
  2. غياب المساءلة الذاتية : ” الكلّ متآمر إلا نحن ” .
    لا يتضمّن البيان أي مراجعة للخيارات السياسية أو الأمنية التي اتّخذتها حركة النهضة خلال العشرية السابقة، والتي هي في نظر طيف واسع من التونسيين، أصل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية.
    بل على العكس، تحاول الحركة تقديم قياداتها المدانة وكأنهم ” مناضلون أبرياء ” ، دون أدنى مساءلة لدور بعضهم في ملفات أمنية شائكة، خاصة المتصلة بالجهاز السري أو شبكات التسفير او الاغتيالات السياسية .
    إن بيانا بهذا الثقل، صادر بعد أحكام تاريخية، لا يتضمن جملة واحدة تقول ” قد نكون أخطأنا ” ، بل يواصل خطاب الإنكار المتماهي مع عقلية ” الاستهداف ” و ” الاضطهاد ” ، وهذا يفرغه من أي مضمون تصالحي أو نقدي.
  3. خطاب الضحية المكرر: مأزق الاستثمار في الألم .
    البيان يكرر ما دأبت عليه النهضة منذ 25 جويلية 2021: تقديم نفسها كضحية لحكم استبدادي.
    لكن المأزق الحقيقي هنا هو أن الشارع التونسي، وإن كان رافضا للسلطوية، لم يعد مقتنعا بأن النهضة بريئة كما تدّعي، خاصة وأن قضايا كبرى لا تزال عالقة في ذاكرة الرأي العام : الجهاز السري، اختراق القضاء، التسفير إلى بؤر التوتر…
    بالتالي، فإن تكرار سردية ” المظلومية ” دون تطعيمها باعتراف أو مساءلة، بات يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة تدوير رأس مال سياسي مُستهلك .
  4. تسييس كل شيء : من القضاء إلى الإعلام

البيان يتهم القضاء بالإذعان، والإعلام بالتوظيف، والسلطة بالانتقام، وكأننا نعيش في مشهد كلياني لا موقع فيه لأي صوت مستقل. المشكلة هنا أن النهضة ، حين كانت ممسكة بزمام السلطة ، مارست سياسات مماثلة، بل وشاركت في خلق المشهد الذي تشكو منه اليوم.
فهل من المعقول أن من ساهم في هندسة المشهد بعد الثورة، يشتكي الآن من ديكور المشهد ذاته؟ .

  1. غياب أي أفق جديد: نضال بلا بوصلة
    البيان يكتفي بإعادة إنتاج خطاب مألوف : ” نضال سلمي، مقاومة الاستبداد، استعادة الدولة ” ، دون أن يقدم أي مشروع جديد أو رؤية بديلة، ودون حتى الإجابة عن سؤال مركزي : لماذا فقدت النهضة شعبيتها؟
  2. المظلومية كأداة تعبئة.. ولكن لمن؟
    حين تدعو النهضة ” كل القوى الوطنية إلى التكاتف ” ، فهي تعيد طرح نفسها كفاعل مركزي في إنقاذ البلاد، دون أن تتساءل : هل لا تزال تملك شرعية القيادة أو حتى الشراكة؟ هل أدّت ممارساتها السابقة إلى تراكم رأسمال ثقة مع هذه القوى التي تطالبها الآن بالتضامن؟ أم أن العزلة التي تعيشها النهضة في الشارع وفي المعارضة تجعل هذا النداء بلا صدى حقيقي؟ .

في غياب هذا التمرين الضروري في النقد الذاتي، يبدو البيان أشبه بصرخة ألم أكثر من كونه خارطة طريق.
في المحصلة فان بيان النهضة جاء في توقيت حساس، لكنه ظلّ وفيا لعقلية الإنكار، وأسير خطاب ” الضحية الأبدية ” دون مساءلة. إنه بيان يُخاطب قواعد الحركة ولا يُحاور المجتمع. يخوّن القضاء ولا يناقش حججه. يشجب الإعلام ولا يعترف بسنوات التوظيف السياسي له. يدعو إلى إنقاذ البلاد، لكنه لا يجيب : ممّن؟ وبأي أدوات؟
إن أقوى ما في هذا البيان، هو أنه يكشف من حيث لا يدري، أن النهضة لم تخرج بعد من عقلية ما قبل 25 جويلية .
وما لم تبدأ مساءلة حقيقية داخلية، فإن كل ما ستنتجه من بيانات لاحقة، لن تكون له ايّ جدوى .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية