تونس 20°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

ثورة يونيو في مصر: إرادة شعب صنعت التحوّل.

بقلم: حذامي محجوب (رئيس التحرير).

في مثل هذا الوقت من كل عام، يستعيد المصريون ذكرى اندلاع ثورة الثلاثين من يونيو، الحدث الفاصل الذي لم يكن مجرد احتجاج شعبي، بل لحظة تاريخية أعادت رسم معالم الدولة المصرية، وحدّدت مجددًا ملامح العلاقة بين الشعب والسلطة، وبين الإرادة الوطنية والمصير المشترك.

ففي 30 يونيو 2013، خرجت الملايين إلى الميادين في مشهد غير مسبوق، رافعين صوتهم رفضًا للاستبداد باسم الدين، ومطالبين بتصحيح المسار السياسي واستعادة دولة المؤسسات والمواطنة. شعر المصريون حينها أن حلم ثورة 25 يناير قد تم اختطافه، وأن الدولة تنزلق نحو مشروع إقصائي مغلق، لا يؤمن بالتعددية ولا بالدولة الوطنية الجامعة.

وقد اتسمت مظاهرات 30 يونيو بطابع سلمي واضح، رغم محاولات جرّ الشارع إلى دوامة العنف من قبل جماعة الإخوان والتيارات الدينية المتحالفة معها، خاصة من خلال منصة رابعة، حيث تمركز أنصار الرئيس المعزول. كان الاعتصام هناك قائمًا على خطاب تحريضي وعدائي، بينما التزم الشارع المصري برفع شعارات سلمية تعبّر عن رغبة صادقة في استعادة الوطن لا في الانتقام.

ولم يكن سقوط حكم الإخوان مجرّد نتيجة لتلك الحشود، بل ثمرة لوعي سياسي جماعي رفض دستورًا فُرض دون توافق، واحتوى على مواد اعتُبرت تهديدًا لهوية مصر الثقافية والدينية والتاريخية. وقد أجمعت القوى السياسية والاجتماعية آنذاك على أن ما جرى في عهد مرسي لم يكن مجرد تجربة فاشلة، بل محاولة لتغيير وجه مصر.

وفي اللحظة الفارقة، تدخلت القوات المسلحة المصرية، انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية، لتستجيب لنداء الجماهير، وتحول دون انهيار الدولة، معلنة خريطة طريق شاملة بدأت بتعديل الدستور، وتنظيم الانتخابات، وتدشين مشاريع وطنية كبرى. وكانت ثورة 30 يونيو بداية مسار جديد هدفه بناء دولة قوية بمؤسساتها، لا تخضع لأيديولوجيا ولا تُدار من خارج إرادة الشعب.

وقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي يومًا: “سيتوقف التاريخ كثيرًا أمام ثورة 30 يونيو المجيدة، وستظل حية في ذاكرة كل الأجيال، بما رسخته من مبادئ العزة والكرامة والوطنية، والحفاظ على هوية مصر الأصيلة من الاختطاف.”

ولا يمكن فصل هذه الثورة عن تداعياتها الإقليمية؛ فقد كانت بداية لسقوط مشروع الإسلام السياسي في المنطقة، بعد أن تهاوت تجربة الإخوان في مصر، وفرّ قادتها إلى تركيا وقطر، ليلتحقوا بمحور معادٍ لأغلب الدول العربية، ويتحولوا من فاعل سياسي إلى عبء إقليمي.

اليوم، تُمثّل ذكرى الثورة مناسبة للتأمل لا في ما تحقق فحسب، بل في ما يجب استكماله. صحيح أن الطريق كان محفوفًا بتحديات أمنية واقتصادية، إلا أن مصر أثبتت قدرتها على الصمود والمواجهة، والمضي قدمًا في مسيرة بناء دولة قوية، منفتحة، متماسكة، وسيّدة قرارها.

لقد كانت ثورة يونيو صوتًا جماعيًا قال بوضوح: لا مكان في مصر للوصاية، ولا شرعية إلا تلك التي يمنحها الشعب، ولا مستقبل إلا بدولة القانون، والهوية الجامعة، والمشاركة الواعية. ومن هنا، فإن ما بدأه المصريون في يونيو، لا يزال يُكتب إلى اليوم، بأيدٍ تعرف أن حماية الوطن تبدأ من وعي الناس، لا من شعارات عابرة.
لقد قالت مصر كلمتها في يونيو ، وهاهي تمضي ، بثبات ، في طريقها الطويل نحو مستقبل يصنعه جميع ابناءها.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية