بقلم : أ بوبكر الصغير .
هي سلطنة عُمان…
هذا البلد الحبيب العزيز علينا .
حين يختلف العالم و تختلط السبل ، يتم اللجوء إليها .
وحين يبحث العالم عن الحقيقة ، يجدها في هدوئها .
وحين يحتاج المتخاصمون إلى طاولة آمنة ، يجدونها دائما في عاصمتها مسقط .
في هذا الزمن الذي تتسارع فيه الأزمات، وتضطرب فيه خرائط النفوذ ، وتضيع فيه البوصلة بين صخب المصالح وضجيج القوى الكبرى… و تدق طبول الحرب ، تبقى هناك نقطة ضوء لا تنطفئ ، وملاذ أخير يلجأ إليه العالم كلما ضاقت الخيارات : السلطنة الحبيبة .
اليوم ، وفي أخطر لحظة يعيشها العالم ، تعود مسقط لتكون القلب النابض لسياسة العقل والاتزان ، لصوت الحكمة ، والمكان الذي يجتمع فيه الخصمان حين تعجز كل عواصم العالم الكبرى عن جمعهما .
هنا في مسقط تحديدا ، حيث الهدوء ليس ضعفا بل قوّة ، وحيث الصمت ليس حيادا بل حكمة ، تلتئم جولة جديدة من المفاوضات بين متخاصمين يرتقبان ساعة حرب مدمرة ايران و الولايات المتحدة ، في مشهد يعيد إلى الأذهان تقاليد عُمانية راسخة في صناعة الجسور بدل الحواجز ، وفي جمع الأضداد بدل تغذيتهم بالصدام .
لم يكن اختيار عُمان صدفة ، ولا مكانا يُملأ عند الحاجة و الرغبة ، بل هو اقرار صريح و اعتراف بعظمة و مصداقية الدور و رسوخ ثقة ، و حياد تام لا تساوم عليه .
لطالما عُدّت السلطنة “ الميزان الذهبي ” في منطقة لا تعرف الاستقرار إلا لحظات عابرة ، واليوم تثبت من جديد أن الحكمة يمكن أن تكون عمانية ، ان تكون قوة قادرة على التأثير في مصير العالم.
تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “ هناك اتفاقًا على استمرار التفاوض بشكل عام ” لم تأتِ من فراغ ، بل جاءت من فضاء سياسي مهّدته سلطنة عُمان بذكاء وصبر وهدوء ، في إدارة علاقات معقدة تتشابك فيها المصالح والأزمات .
عندما يجتمع الخصمان في عاصمة واحدة، فهذا نجاح دبلوماسي كبير .
وحين يجتمعان في العاصمة العمانية تحديدا، فهذه شهادة دولية على أن للمكان قيمة عظيمة ، و قيادة البلد المضيف لها وزن كبير و الحضور و كذلك الدور العماني بات مطلبا و ضرورة سياسية دولية لها وزن و لا يمكن تجاوزه .
تقف عُمان اليوم ، كما وقفت دائما، لتخلف عواصم مثل جينيف و أوسلو و هلسنكي الخ ، لتغدو بوابة كبيرة للأمل في عالم عجيب غريب يختنق عداء .
تثبت اجتماعات مسقط اليوم أن الحكمة ليست مجرد شعار ، بل سياسة و منهج دولة ونَفَس قيادة ورؤية شعب يعرف كيف يصنع مكانه بين الكبار، دون ضجيج ولا مبالغة، بل بقوة الاحترام وصدق المواقف .

