ٍبقلم : ا – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في منطقة اعتادت أن تكون في قلب التحولات الكبرى ، جاءت الحرب الإيرانية الأخيرة لتفرض على الخليج العربي واحدة من أخطر الأزمات الجيو – سياسية التي عرفها منذ عقود طويلة. كان المشهد مقلقا ، والأسواق متوجسة ، والتوقعات الاقتصادية تنذر بمرحلة عصيبة . لكن ما حدث بعد ذلك أكد مرة أخرى أن دول الخليج ليست مجرد منطقة غنية بالموارد الطبيعية ، بل هي فضاء يمتلك من الحكمة والقدرة الاستراتيجية ما يجعله قادرا فعلا على تحويل المحن إلى فرص والانتصار على الأزمات .
صحيح أن معدلات النمو الاقتصادي تراجعت تحت وطأة الحرب ، وأن المنطقة واجهت ضغوطا غير مسبوقة ، لكن دول الخليج لم تتعامل مع الأزمة بمنطق الخوف أو الارتباك .
لقد استندت إلى ثرواتها المتراكمة ، وإلى احتياطاتها المالية الضخمة ، وإلى رؤى تنموية بعيدة المدى ، فامتصت الصدمة الأولى بكفاءة عالية ، وحافظت على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي ، وأثبتت أن التخطيط الاستراتيجي ليس مجرد شعارات ، بل ثقافة دولة ونهج قيادة .
لقد كان الانتصار الحقيقي لدول الخليج في هذه الحرب هو انتصار العقل على الفوضى ، والرؤية على ردود الأفعال ، والتنمية على منطق الأزمات .
ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش على وقع التوترات والتهديدات ، كانت العواصم الخليجية تواصل بناء اقتصادات المستقبل ، وتسرّع برامج التنويع الاقتصادي ، وتعيد رسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب .
إن حكمة القيادات الخليجية تجلت في قدرتها على حماية أوطانها ومكتسباتها دون أن تسمح للأزمة بأن تعطل مشاريعها الكبرى أو تربك مسارها التنموي .
فهذه القيادات أدركت منذ سنوات أن الأمن الحقيقي لا يقتصر على الحدود والجيوش ، بل يشمل أيضا قوة الاقتصاد ، وصلابة المؤسسات ، وقدرة الدولة على توفير الطمأنينة لمواطنيها واستشراف المستقبل بثقة .
وما يبعث على الإعجاب أن دول الخليج لم تنتظر نهاية الحرب لتفكر في الغد ، بل بدأت منذ اللحظة الأولى في تشكيل ملامح اقتصاد ما بعد الأزمة ، اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة ، وأكثر اعتمادا على المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار في الإنسان . وهنا يكمن جوهر التجربة الخليجية : القدرة على تحويل أصعب اللحظات إلى نقطة انطلاق جديدة .
لقد خرج الخليج من هذه المحنة أكثر تماسكا وأكثر ثقة في نفسه .
وانتصر لأنه آمن بأن الأزمات عابرة ، بينما تبقى الأوطان التي تُدار بالحكمة والتخطيط قادرة على تجاوز العواصف .
ومن جديد ، يقدم الخليج العربي درسا بليغا للعالم : ليست قوة الأمم في تجنب الأزمات ، بل في امتلاك قيادات تعرف كيف تحمي حاضرها وتبني مستقبلها في قلب العاصفة .

