تونس 25°C

17 أفريل 2026

تونس 38°C

17 أفريل 2026

صناعة الانتصارات الوهمية : حين يصبح الدمار بطولة والإبادة نصرا .


بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

منذ السابع من أكتوبر، تعيش غزة واحدة من أعتى الحروب وأكثرها وحشية في تاريخها الحديث.
عشرات الآلاف من. الشهداء سقطوا، أحياء أُبيدت بالكامل ، عائلات مُحيت من السجل المدني ، والمجاعة والمرض يتسابقان لحصد من تبقّى من الأرواح .
و رغم كل هذا الخراب ، يصرّ جزء من إعلامنا على تصوير المشهد وكأننا أمام ” نصر تاريخي ” ، متجاهلا أن ما يحدث هو إبادة منهجية لشعب أعزل وانهيار كامل للبنية الإنسانية.
تتحول مأساة غزة إلى مشهد بطولي يُسوَّق على الشاشات ، ويُقدَّم الدمار بوصفه ” ملحمة صمود ” ، بينما الحقيقة الصارخة أن غزة تُباد والعالم يتفرّج .
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم.
تاريخنا الحديث مليء بتحويل الهزائم إلى انتصارات مُعلّبة : نكسة 1967 صُوّرت على أنها ” حرب استنزاف ” ، اجتياح لبنان 1982 أصبح ” ملحمة صمود ” ، وحتى حروب العراق 1991 و2003 جرى تسويقها كمعارك ” بطولة ومقاومة ” ، رغم ما حملته من هزائم و انهيار استراتيجي وسياسي وعسكري كامل .
أسلوب صناعة الوهم متكرر ومكشوف : تغييب الحقائق منذ اللحظة الأولى ، اختراع أهداف وهمية ثم إعلان تحقيقها ، تقديم المشاعر بدل الوقائع، منع أي مراجعة نقدية ، ليُقنع الناس أن الانتصار تحقق حتى حين تكون المدن محتلة والشعوب تحت الحصار.
اليوم تُقدَّم غزة كنموذج جديد لهذا النهج. تُرفع الشعارات وتُلقى الخطب، وتُقدَّم صور الركام على أنها شواهد نصر، في حين أن الحقيقة أبسط وأكثر إيلامًا : مدينة تُمحى حجرا وبشرا ، وأفق سياسي يتلاشى يوما بعد يوم.
انّ خطورة هذه السردية لا تكمن فقط في تزييف الوعي، بل في قتل القدرة على طرح الأسئلة المصيرية : لماذا خسرنا ؟ و كيف نتفادى تكرار الكارثة ؟ و متى نتوقف عن استبدال النقد البنّاء بالشعارات الفارغة ؟ .
الأمم لا تنهض بتزييف الواقع ولا بتخدير الجماهير بخطاب عاطفي يجمّل الهزيمة.
الانتصار الحقيقي يبدأ من مواجهة الفشل بشجاعة ، والاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس، لأن صناعة الوهم ليست سوى الطريق الأسرع إلى هزائم جديدة وأعمق.
إن من يختار الوهم على الحقيقة، يختار أن يرى شعبه يُقتل مرتين : مرة على الأرض، ومرة في وعيه.
وحدها الحقيقة ، مهما كانت صادمة ، قادرة على تحرير الضمير وبناء مستقبل لا يهزم بالكذب و لا يُمحى بالزيف.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية