بقلم : أ . حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
في عصر تُصنع فيه التحالفات الكبرى بلقطة، وتعاد فيه هندسة النفوذ العالمي بإيماءة عابرة، حطّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فيتنام لا حاملا ملفات الطاقة والطائرات فحسب، بل مشهدا مدهشا خطف أضواء السياسة : لحظة عائلية تحوّلت إلى حدث كوني، أو كما وصفت في الإليزيه، ” ومضة من الحنان ” … لكنها بدت لكثيرين صفعة علنية على وجه رئيس.
عدسة وكالة اسوشيتد براس Associated Press اصطادت اللحظة الدقيقة عند باب الطائرة : بريجيت ماكرون تمدّ يديها نحو وجه زوجها، لا كمن يحتضن، بل كمن يصد. الرئيس يتراجع، يتعثر في خطواته، يحاول الإمساك بيدها التي أبت أن تُمسك . وكأنها، وسط زحام الكاميرات، تقول للعالم : ليس الآن يا إيمانويل !.
ورغم أن جعبته السياسية كانت مثقلة بصفقات كبرى ، من الشراكة النووية إلى بيع عشرين طائرة إيرباص بقيمة تسعة مليارات يورو ، لم يكن ذلك ما ملأ الشاشات، بل اللمسة التي قُرئت كـإهانة جيوسياسية ، لا مجرد سوء تفاهم زوجي.
في الوقت الذي كانت فيه صواريخ روسيا تمطر كييف، وخرائط القوة تعاد رسمها في بحر الصين الجنوبي، انتقل التركيز العالمي إلى مشهد بريجيت وهي ” تدفع ” وجه زوجها، لتُشعل خيال العالم وتحليلاته.
ماكرون، المحبّ للعرض والتصريحات المدروسة، لم يترك الفيديو يمرّ بصمت. قبل أن يصل إلى مأدبة العشاء الرسمية، استدعى الصحفيين لينعت مَن أثاروا القضية بالمجانين ، و السكارى إعلاميا ، متهما إياهم بتحويل لحظة خاصة إلى كارثة ” جيوبلانية ” . بدا غاضبا لا من قصف كييف، بل من صفعة الكاميرا.
محاولات قصر الإليزيه لاحتواء الموقف زادت من نيران الفضيحة : أنكروا صحة الفيديو، ثم اعترفوا به، ثم حاولوا ترميمه بلغة المزاح والمودة.
لكن الوقت كان قد فات، والخيال الشعبي كان قد سبَق كل تبرير. فهل كانت تلك الإيماءة العفوية موقفا سياسيا مشفّرا ؟ ، أم مجرد لحظة تعب زوجي؟ أم أن بريجيت، ببساطة، قالت ما يعجز ماكرون نفسه عن الاعتراف به : ” كفى استعراضا ” ؟
رئيس الجمهورية، الذي طالما فسّر قبضات الأيدي وتفاصيل البروتوكول على أنها رسائل استراتيجية، وجد نفسه أخيرا فريسة لتأويلات الصورة. قبلة أردوغان، منديل كييف، ثم الآن… صفعة بريجيت.
السؤال الأخطر: هل نعيش زمنا تُصنع فيه مصداقية الزعماء لا بما يعلنونه من منصاتهم، بل بما ترتسم على وجوههم من انفعالات ؟ وهل تحوّلت السيدة الأولى من رفيقة ظلّ إلى شريكة في تشكيل صورة الدولة، لا تتكلم كثيرا ، بل تُشير، تلمس… و تصفع ؟.
في زمن تفككت فيه العلاقة بين الشعوب والنخب، وبين السياسة والصدق، قد تكون ” صفعة بريجيت ” أشدّ ما تلقّاه ماكرون منذ بدء ولايته الثانية. لا لأنها أوجعته بدنيا ، بل لأنها مزّقت القناع الذي يرتديه في حضرة الكاميرا : قناع القائد الهادئ، الممسك بزمام الأمور… الذي تهاوى أمام صفعة من زوجته.
قال ماكرون مدافعا : ” لا شيء من هذا صحيح، ومع ذلك، هذه الفيديوهات صحيحة ” .
عبارة تختزل كل ما آل إليه الخطاب السياسي في عصر الصورة : لم يعد السؤال ماذا قيل، بل كيف صُفِعْتَ… وأمام من.



