بقلم – ابوبكر الصغير
تقول المغنية البريطانية أديل أدكنز : ” لا يمكن أن ننسى فضل أولئك الذين تخلّوا عنّا… لقد تركونا وهم مؤمنون بفشلنا ، كي ننعم بنجاحنا الذي بدأ برحيلهم ” .
تلك الجملة تختصر فلسفة الولاء والخيانة ، وتعيد ترتيب المعنى بين من بقي او سيبقى ومن مضى او سيمضي ، بين الوفاء الصامت والغدر المغلَّف بالابتسامة.
الولاء، في جوهره، ليس طقسا مقدسا ولا ولها أعمى .
إنه مساحة من الاحترام البسيط للانتماء ، يعبّر عن الحد الأدنى من الإخلاص لا عن أقصاه .
لكنّ هذا المعنى يتحوّل إلى امتحان حقيقي حين تمسّ الأحداث جوهر الهوية الوطنية أو الأمن القومي، إذ تنكشف المعادن ويُختبر الضمير الجمعي كما لم يُختبر من قبل .
وإذا أريد للولاء أن يُقاس خارج تلك اللحظات الكبرى ، فذلك يكون في ميادين أضيق ، كالساحة الحزبية مثلا ، حيث تتبدّل البدلة السياسية كما تتبدّل الفصول. شهدنا ذلك في برلمانٍ سابق، لم نأسف يوما على حلّه، حين كانت السياحة الحزبية عنوانا للخيانة السياسية بامتياز.
فلا خيانة من دون انتماء، ولا غدر بلا ولاء سابق .
الخائن هو من كان في الداخل ثم خرج عليه .
هو من يتقن التبرير باسم المصلحة أو الطموح أو الخوف ، فيستبدل قناعاته بوعود جديدة ، ويتخلى عن رفاق الأمس ليبحث عن مقعد في ضوء مختلف.
الخائن لا يرى في فعله عيبا ، لكنه في نظر الآخرين، ضحيّته بالأساس، رمزٌ للدناءة والنفاق . وهكذا يصبح الخائن نتاجا اجتماعيا يصوغه الخصوم أكثر مما يعرّفه هو بنفسه.
لكن السؤال الأخطر: ما موقع الخيانة في السياسة ؟ وكيف يتحوّل من يسعون إلى الحكم إلى خونة أو ضحايا في آن واحد ؟ وهل الخيانة فعل متعمّد دائما، أم قد تكون انزلاقا غير مقصود في مسار ملوّث بالمصالح ؟.
في ميزان السياسة، يبقى الغدر من الصفات القاتلة. كم مرة هُزِمنا دون أن نخوض معركة ؟ لأن الخيانة سبقت الطلقات ، ولأنها تبدأ فكرة صغيرة في ذهن أحدهم… ثم تتضخّم حتى تبتلع المبدأ كله .



