بقلم أ.حذامي محجوب.
في عالم تزداد فيه الالتباسات وسوء الفهم بين الشعوب، يبرز من مدينة فاس المغربية عمل علمي وروحي فريد يحمل توقيع الأكاديمي و المفكر الدكتور عبد الحق عزوزي ، رئيس كرسي تحالف الحضارات في المملكة المغربية الشقيقة، الذي أنجز ترجمة وتفسيراً كاملاً للقرآن الكريم باللغة الفرنسية، في عمل علمي غير مسبوق صدر حديثاً عن دار النشر العالمية “البراق”.
إنه حدث يتجاوز حدود الفكر الديني، ليشكل منعطفاً ثقافياً وإنسانياً يذكّر بقدرة النص القرآني على مخاطبة البشرية كلها، مهما اختلفت لغاتها وثقافاتها.
هذا العمل الموسوعي، الممتد على أكثر من 3200 صفحة في ثلاثة مجلدات ضخمة، استغرق أكثر من عقد من البحث والتأمل، ليقدّم أول إنجاز من نوعه يجمع بين الترجمة الدقيقة والتفسير العميق، في صيغة علمية توازن بين الأصالة والمعاصرة. وقد اعتمد المؤلف روايتي ورش عن نافع وحفص عن عاصم، في ستة أجزاء مستقلة، ليتيح للقارئ غير العربي اقتراباً أميناً وموضوعياً من النص المقدّس.
تميّز عمل الدكتور عزوزي بكونه أكثر من مجرد ترجمة، فهو رؤية فكرية وروحية متكاملة تستحضر روح القرآن في دلالاته اللغوية والبلاغية والإنسانية. لم يكتف المؤلف بنقل الألفاظ، بل حرص على نقل المعنى والرسالة، بأسلوب يجمع بين الصرامة الأكاديمية والذوق الأدبي الرفيع، مما يمنح القارئ الفرنكفوني نافذة صادقة على جوهر الوحي الإلهي.
ويقول الأستاذ عزوزي إن هدفه من هذا الجهد العلمي هو تمكين المسلم وغير المسلم على السواء من تدبر القرآن كمنظومة قيم وهداية، وكمصدر لفكر إنساني يدعو إلى الاعتدال والتوازن والرحمة. فالنص القرآني في رؤيته ليس حكراً على جماعة أو ثقافة، بل خطاب كوني موجه إلى الضمير الإنساني في كل زمان ومكان.
تتّسم هذه الترجمة الجديدة بعمقها التفسيري ودقّتها اللغوية، إذ يقدّم المؤلف في مطلع كل سورة خلاصة لأبرز محاورها ويبيّن أسباب نزولها، مع تقسيم آياتها إلى مقاطع موضوعية مترابطة. وقد استند في تفسيره إلى أوثق المراجع الكلاسيكية والمعاصرة، مستفيداً من علوم اللغة والبلاغة والتاريخ والاجتماع، ليجعل من عمله موسوعة معرفية متكاملة تخاطب العقل الحديث وتلبي حاجاته الفكرية.
ويتجلى في هذا العمل أيضاً البعد الإصلاحي والتجديدي الذي يميز فكر عبد الحق عزوزي، فهو يسعى إلى إعادة قراءة النص القرآني في ضوء القيم الكونية الكبرى: العدل، الرحمة، التسامح، والتفكر. وبذلك، تتحول ترجمته إلى رسالة سلام، تردم الفجوة بين الشرق والغرب، وتدعو إلى بناء عالم تسوده المعرفة والاحترام المتبادل.
إن ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية بهذا المستوى من الدقة والجمال تشكّل جسراً حضارياً بين الإسلام والفضاء الفرنكفوني، وتمنح لغير الناطقين بالعربية فرصة ملامسة روح النص القرآني دون وسائط مشوهة أو تفسيرات مغلوطة.
وبهذا الإنجاز، يكرّس الدكتور عبد الحق عزوزي صورة المغرب كمنارة فكرية وروحية، تحتضن العلم وتؤمن بالحوار والتنوير، وتؤكد أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يعني الذوبان، بل تجديد الصلة بالهوية من خلال الفهم المتبادل.
إنها رسالة فاس إلى العالم: بأن نور القرآن لا يحدّه لسان، وأن الكلمة الإلهية قادرة على أن تجمع ما فرّقته الأيديولوجيات والاختلافات.




