تونس 22°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

الهزيمة التي تسكننا : بين ثقل الماضي وصدمة الحاضر !.

بقلم – ابوبكر الصغير

الهزيمة ليست حدثا عابرا في التاريخ، بل هي نمط تفكير، أسلوب حياة، ورؤية مشوّهة للذات وللعالم.
إننا لا نُهزم فقط في المعارك، بل في وعينا الذي يسمح للهزيمة أن تتجذر فيه وتتحوّل إلى بنية ذهنية تسكن عقولنا وتتحكم في رؤانا.
تاريخ الشعوب ، أيًّا كانت مساراته، خط متصل لا ينقطع.
قد يصعد هذا الخط في لحظة نهضة ، أو يهبط في مرحلة انكسار ، وقد يدور حول نفسه أو ينحني ، لكنه يظل قائما في صيرورته.
غير أن ما يجعل الهزيمة قاتلة هو حين تتحوّل الأوطان إلى مجرد أضرحة ، وحين يغدو العيش فيها نوعا من المقام في موت مؤجل .
كثيرًا ما يفتح حدث واحد الباب أمام تحولات كبرى ، سواء في حياة الأفراد أو في مصير الأمم .
لحظة مفصلية ، كأنها صدمة توقظ الوعي من سباته وتفرض إعادة الحسابات على قاعدة جديدة .
فالإنسان، وإن انشغل بشؤونه الخاصة، لا يستطيع أن يتجاهل أثر الأحداث الخارجية على وجدانه وحياته اليومية ، بل حتى على نمط عيشه وصورته عن نفسه والعالم.
الصدمة النفسية، إذن، ليست مجرد أثر عابر لواقعة صعبة ، إنها زلزال داخلي يعيد ترتيب العواطف ويخلخل التوازن .
من رحمها قد يولد اندفاع جديد، أشد حيوية وقوة .
فالحدث ، بوصفه معطى جللا خاما ، هو أصل كل معرفة : معرفة العالم المادي، كما معرفة الداخل الإنساني .
ومن هنا، تذوب الحدود بين الملاحظة الخارجية والتجربة الداخلية ، إذ كلتاهما تقوم على ” المعطى-الحدث ” وعلى قدرة الوعي على تحويله إلى معرفة ، أو إلى وهم ، أو إلى هزيمة داخلية.
لكن الإشكال يكمن في الوعي ذاته : هل نقرأ الأحداث من خلال أهوائنا و نفسياتنا فقط ، أم نفصل ” المعطى الحدث ” عن رؤيتنا الذاتية وننظر إليه كبيان للتاريخ وللقوة ؟ ، أم أن الأمر يتطلب الجمع بين الاثنين معا، بحيث نعي أن الفعل الخارجي والتجربة الداخلية ليسا سوى وجهين للحقيقة ذاتها ؟ .
إنّ حدث حرب غزة بدءًا من الهجوم الذي شنّته حركة حماس داخل إسرائيل في 7 اكتوبر وما تلاه من ردود أفعال إسرائيلية ودولية ، و ما استجدّ من اتفاق شرم الشيخ للسلام يمثل صدمة بهذا المعنى .
لم يعد مجرد تطور سياسي أو عسكري، بل تحوّل إلى لحظة تكثّف فيها الأسئلة حول المصير والهوية ومعنى الانتماء .
هذا الحدث الذي طغى على كل شؤوننا طوال عامين بالضبط ، يضعنا جميعًا أمام مرآة أنفسنا : هل نستسلم للهزيمة التي ستسكننا، فنحوّلها إلى موت داخلي جديد؟ أم نعيد صياغة وعينا بالحدث ليكون مدخلا إلى تحوّل تاريخي يفتح خط التاريخ على صعود جديد؟.
ً الهزيمة ليست قدَرا مكتوبا، لكنها تتحول إلى قدر حين نؤمن بها ونسكنها. والحدث ، أيًّا كان لا يُعرّف بمأساته ، بل بقدرتنا على تحويله إلى بداية.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية