تونس 29°C

20 أفريل 2026

تونس 38°C

20 أفريل 2026

حين انتصرت الحكمة الخليجية على إغراء الحرب .

-ابوبكر الصغير.

في هذا الظرف الصعب ، الذي تتكلم فيه المدافع قبل العقول ، وتُشعل فيه الشرارة الصغيرة حروبا تأكل الأخضر واليابس ، اختارت دول الخليج طريقا آخر … طريقا أصعب، وأثقل ، و لكنه أكثر نُبلا و شعورا بالمسؤولية : طريق الحكمة.
اختارت هذا الطريق ليس لأنّها عاجزة ، ولا لأنّها تفتقر إلى القوة .
على العكس تماما … هي دول تمتلك من الإمكانات العسكرية ، والخبرة الميدانية ، والعقيدة القتالية و القوة ، ما يجعلها قادرة على الرد ، بل وعلى إيلام خصمها و عدوها إيلاما قويا شديدا .
لكنها، في لحظة كان فيها الزناد أقرب من أي وقت مضى ، قررت أن تضع يدها على قلبها … لا على سلاحها .
أي عقلٍ هذا الذي يختار الصبر حين يكون الردّ مشروعا ؟ .
وأي حكمة هذه التي تُغلب ضمير الأمة على منطق الثار و الانتقام ؟ .
لقد تعرضت هذه الدول الشقيقة لاعتداءات مباشرة ، طالت أراضيها ، وهددت أمن شعوبها!، واستهدفت بنيتها التحتية … حتى تلك التي تمثل شريان الحياة فيها : محطات المياه، الكهرباء، والأحياء السكنية ، المصانع ، الموانئ ، المطارات الخ ..
كان يمكن أن يكون الردّ سريعا ، قاسيا، وربما مدمّرا اكثر مما يتصور كثيرون .
لكن القرار كان مختلفا … قرارا لا يصدر إلا عن قيادات حكيمة تدرك أن الحرب ليست بطولة ، وأن الدم ليس وسيلة لإثبات القوة .
هنا، بالذات، و تحديدا تتجلى عظمة القيادات الخليجية .
أن تملك القدرة على الردّ ولا تفعل … ليس ضعفا ، بل ذروة القوة .
أن تكظم الغضب حين يكون مبررا … ليس ترددا ، بل سيطرة على الذات .
أن ترى في الطرف الآخر شعبا مسلما شقيقا، رغم ما يصدر من نظامه الاستبدادي … فذلك هو الوعي الذي يتجاوز اللحظة إلى التاريخ .
لقد راهنت هذه القيادات على ما يمكن تسميته بـ” الصبر الاستراتيجي ”… صبر لا يعني الاستسلام او الضعف ، بل يعني إتاحة الفرصة للعقل أن يعود ، وللأخطاء أن تُراجع ، وللنار أن تخمد قبل أن تتحول إلى حريق لا يمكن السيطرة عليه بعد ذلك .
وهذا، في الحقيقة ، ما لم تعرفه و لم تشهده الكثير من الحروب عبر التاريخ .
فغالبًا ما كانت الإهانة تُقابل بالإهانة ، والضربة تُرد بأشد منها ، حتى تُفتح أبواب جهنم على الجميع .
أما هنا، و في الخليج فنحن أمام سلوك مختلف تماما ، سلوك سيكتب فصلا نارًا في سجل البشرية و تاريخها .
فأي رسالة أبلغ و اعظم من هذه؟
وأي درس أعمق من أن القوة الحقيقية ليست في إطلاق النار ، بل في القدرة على منعه ؟ و مواصلة الانتصار للسلام .
إن التاريخ، حين يُكتب بإنصاف ، لن يتوقف فقط عند من امتلك السلاح ، بل عند من امتلك القرار حقا .
ولن يُخلد فقط من خاض الحروب ، بل من منعها وهو قادر على حرب و معركة و مواجهة و اكثر .
وفي لحظة يضج فيها العالم بالصراعات ، يثبت قادة دول الخليج أن الحكمة ليست شعارا ، بل خيارا صعبا ، وأن ضبط النفس ليس ضعفا ، بل شجاعة من نوع. أرقى .
ربما لم و لن تُطلق رصاصة .
لكن الرسالة وصلت إلى العالم كله :
أن هناك من يستطيع أن ينتصر ، دون أن يُشعل حربا .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية