بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
تكشف المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ، عن ملامح نمط جديد من الحروب في الشرق الأوسط ، حروب لا تُحسم فقط بتفوق السلاح ، بل بقدرة كل طرف على تحويل أدواته العسكرية والسياسية إلى نتائج استراتيجية . في قلب هذه المعادلة تبرز مفارقة واضحة : فإيران لا تبدو قادرة على تحقيق انتصار عسكري تقليدي ، لكنها تمتلك قدرة لافتة على إرباك خصومها وإغراق المنطقة في حالة طويلة من عدم الاستقرار .
فالتفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي يكاد يكون بلا جدال . الفجوة في التكنولوجيا العسكرية ، والقدرات الاستخباراتية ، وهيمنة القوة الجوية والبحرية ، تجعل من الصعب تصور مواجهة تقليدية متكافئة .
كما أن سنوات العقوبات الاقتصادية أنهكت الاقتصاد الإيراني وقيّدت قدرة طهران على خوض حرب واسعة وطويلة الأمد . لذلك يبدو سيناريو الانتصار العسكري الإيراني بعيد الاحتمال ان لم يكن مستحيلا .
غير أن الحروب لا تُقاس دائما بميزان الانتصار والهزيمة المباشرة .
فإيران، خلال العقود الماضية، طورت استراتيجية مختلفة تقوم على مبدأ بسيط : إذا كان النصر العسكري صعبا ، فإن رفع كلفة الصراع على الخصم قد يصبح بديلا عمليا عنه. إنها استراتيجية الإرباك والاستنزاف، حيث يتحول التفوق العسكري للخصم إلى عبء سياسي واقتصادي عليه .
أولى أدوات هذه الاستراتيجية تكمن في الجغرافيا الحساسة للمنطقة . فالممرات البحرية التي تمر عبرها تجارة الطاقة العالمية ليست مجرد خطوط على الخريطة ، بل شرايين الاقتصاد الدولي .
وفي لحظات التوتر تتحول هذه الشرايين إلى نقاط ضغط بالغة الحساسية ، إذ يكفي اضطراب محدود في حركة الملاحة حتى ترتجف أسواق النفط والغاز ويشعر العالم كله بارتدادات الأزمة .
وفي قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج العربي في موقع بالغ الدقة .
فاقتصاداتها الحديثة قامت على منظومة معقدة من الموانئ والمرافئ النفطية والمراكز اللوجستية التي تعتمد أساسا على الاستقرار والانفتاح التجاري .
ومع تصاعد التوتر الإقليمي ، تصبح هذه البنية الاقتصادية الحساسة عرضة للضغط أو الاضطراب ، ما يجعل أمن المنطقة مرتبطا ليس فقط بالقوة العسكرية ، بل أيضا بقدرة الدول على حماية منظوماتها الاقتصادية من تداعيات الصراع .
كما أن أي خلل في أسواق الطاقة لن يبقى محصورا في الدول المنتجة وحدها ، بل سيمتد أثره إلى مجمل الاقتصاد العربي . فارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتقلبات الأسواق العالمية، وتذبذب أسعار الطاقة، كلها عوامل تضغط على اقتصادات المنطقة .
والسبب بسيط : الشرق الأوسط يقع في قلب شبكة الطاقة العالمية ، ما يجعله أول المتأثرين عندما تتحول طرق الإمداد إلى أدوات في لعبة الصراع .
في هذا السياق تتضح طبيعة القوة الإيرانية . فهي ليست قوة قادرة على تحقيق انتصار حاسم ، بقدر ما هي قوة قادرة على التعطيل .
فطهران قد لا تستطيع قلب موازين القوة العسكرية ، لكنها تستطيع أن تجعل تكلفة الحرب مرتفعة على الجميع ، وأن تحول المواجهة إلى حالة استنزاف مفتوحة .
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية لهذه الحرب. فالضربات العسكرية قد تُضعف إيران ، لكنها لا تضمن إنهاء الصراع . وفي المقابل لا تملك طهران القدرة على هزيمة خصومها ، لكنها تمتلك القدرة على إطالة أمد الأزمة وتعقيد حساباتها السياسية والاقتصادية .
وبين هذين الحدين يجد العالم العربي نفسه مرة أخرى في قلب صراع دولي تتجاوز أسبابه حدوده ، لكنه يتحمل قسطا كبيرا من نتائجه. فاستقرار أسواق الطاقة ، وأمن الممرات البحرية، وتوازن الاقتصادات الإقليمية، كلها تصبح رهينة لمواجهة لا يملك العرب وحدهم مفاتيح إنهائها.
هكذا يتشكل المشهد : حرب قد لا تستطيع إيران أن تربحها ، لكنها قادرة على أن تجعلها طويلة ومكلفة ومفتوحة . وفي مثل هذه الحروب لا يكون السؤال من سينتصر، بل من يستطيع أن يتحمل كلفة الاستمرار أطول من غيره .


