بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
يظلّ الملف الإيراني أحد أكثر الملفات تعبيرا عن التباين العميق في مقاربات السياسة الخارجية الأمريكية بين إدارات البيت الأبيض المتعاقبة .
وبينما اختار الرئيس الأسبق باراك أوباما طريق الدبلوماسية ومحاولة إدماج إيران في توازنات الشرق الأوسط ، انتهج دونالد ترامب مسارا مغايرا تماما ، بدأ بتفكيك تلك المقاربة خطوةً خطوة، قبل أن يتطور لاحقاً إلى استراتيجية تقوم على المواجهة الصريحة مع طهران.
لقد انطلقت رؤية أوباما من فرضية أساسية مفادها أن إيران، إذا جرى احتواء طموحاتها النووية، يمكن أن تتحول إلى لاعب إقليمي أكثر عقلانية ومسؤولية. وبناءً على هذا التصور، سعت واشنطن إلى إقامة نوع من التوازن بين القوى السنية في المنطقة والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، بحيث يصبح الاتفاق النووي مدخلاً لإعادة صياغة المشهد الإقليمي.
في هذا الإطار وُقّع عام 2015 الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، الذي فرض قيوداً على أجزاء من البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع واسع للعقوبات الاقتصادية .
وقد رأت إدارة أوباما في هذا الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات مع طهران ويحدّ من مخاطر الانتشار النووي في المنطقة .
غير أن منتقدي هذه المقاربة ، وعلى رأسهم دونالد ترامب، اعتبروا أن الاتفاق لم يعالج أصل المشكلة بل أجّلها فقط .
فبينما تمّ تقييد البرنامج النووي الإيراني جزئيا ، حصلت طهران في المقابل على موارد مالية ضخمة نتيجة رفع العقوبات ، وهو ما مكّنها – بحسب منتقدي الاتفاق – من توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز قدراتها الصاروخية ، فضلا عن دعم شبكة حلفائها ووكلائها الممتدة من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وغزة.
ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، بدأ مسار مغاير بالكامل .
فقد قرر الرئيس الأمريكي الجديد كسر إرث سلفه، وأعلن عام 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، معتبراً أنه اتفاق ناقص لا يحدّ من الطموحات الاستراتيجية الإيرانية على المدى البعيد .
لكن تلك المرحلة لم تكن مرحلة مواجهة عسكرية مباشرة. فقد اعتمدت إدارة ترامب في ولايته الأولى أساساً على سياسة ” الضغط الأقصى ” ، التي استهدفت الاقتصاد الإيراني عبر نظام عقوبات غير مسبوق .
وقد ركّزت هذه السياسة على تقليص صادرات النفط الإيرانية واستنزاف احتياطاتها من العملة الصعبة، في محاولة لدفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة .
وكان الهدف من هذه الاستراتيجية فرض اتفاق أشمل لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يشمل أيضا الصواريخ الباليستية الإيرانية ودور طهران الإقليمي . وقد نجحت العقوبات بالفعل في إضعاف الاقتصاد الإيراني والضغط على بنيته المالية، غير أن ذلك لم يؤدِ إلى تغيير جذري في السلوك الاستراتيجي لطهران.
بل على العكس، ظلّ النفوذ الإيراني يتوسع عبر شبكة حلفائها في المنطقة ، حتى بلغ قبل أحداث السابع من أكتوبر مستوى غير مسبوق ، حيث بدا الحضور الإيراني ممتداً من غزة إلى لبنان والعراق وسوريا واليمن ، و متقاطعاً في الوقت نفسه مع علاقات متنامية مع قوى دولية منافسة للولايات المتحدة مثل روسيا والصين.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، شهدت المقاربة الأمريكية تحولا نوعيا . فلم تعد العقوبات الاقتصادية الأداة الرئيسية الوحيدة، بل بدأ الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة لاستهداف ركائز القوة الإيرانية.
في هذا السياق جاءت الضربة التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني تحت اسم ” عملية مطرقة منتصف الليل ، والتي هدفت إلى تدمير أجزاء أساسية من البنية النووية الإيرانية ، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد مستعدة للاكتفاء بسياسة الردع الاقتصادي والعقوبات.
ثم أعقبتها ” عملية الغضب الملحمي ” التي مثلت مرحلة ثانية من هذه الاستراتيجية، حيث توسعت الضربات لتشمل عناصر القوة العسكرية التي بقيت خارج إطار اتفاق 2015، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي الإيراني والبنية العسكرية التي تدعم النفوذ الإقليمي لطهران.
ومن هنا يمكن التمييز بوضوح بين مرحلتين في سياسة ترامب تجاه إيران :
مرحلة أولى خلال ولايته الرئاسية الأولى ركزت على تفكيك إرث أوباما عبر الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض أقسى نظام عقوبات على طهران .
ومرحلة ثانية خلال ولايته الحالية اتسمت بالانتقال من الضغط الاقتصادي إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة .
يعكس هذا التحول أيضا رؤية مختلفة لمستقبل الشرق الأوسط . ففي حين كان أوباما يعتقد أن الاستقرار الإقليمي يمر عبر إدماج إيران في توازنات المنطقة ، يراهن ترامب على إعادة تشكيل تلك التوازنات عبر تحالفات إقليمية جديدة .
وقد تجسد هذا التوجه في اتفاقيات أبراهام التي قامت على تقارب متزايد بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في مقابل السعي إلى تقليص الدور الإيراني في المنطقة.
غير أن هذه الاستراتيجية ، على الرغم من طابعها الحاسم، لا تخلو من المخاطر .
فاللجوء إلى القوة العسكرية قد يضعف إيران ويحدّ من قدرتها على التأثير الإقليمي، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام مرحلة طويلة من الاضطراب في منطقة تعيش أصلا على وقع توترات مزمنة.
ومع ذلك، فإن ما يميز مقاربة ترامب هو هذا التحول الجذري في التفكير الاستراتيجي الأمريكي : الانتقال من محاولة إدارة النفوذ الإيراني واحتوائه، كما كان الحال في عهد أوباما، إلى السعي لتقويضه وإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط على حسابه.


