تونس 31°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

نساء تحت النار… وضمائر على المحكّ .

بقلم أ. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضدّ المرأة ، تبدو الكلمات عاجزة ، والشعارات باهتة ، والاحتفالات مجرد طقوس لا تُغيّر حقيقة دامية : النساء ما زلن في خطّ المواجهة الأول، يخضن حربا لا تُشبه الحروب التقليدية ، حربا تُشنّ على أجسادهنّ، وعلى صوتهنّ، وعلى أحلامهنّ .
ورغم ما ترفعه الدول من قوانين ومؤتمرات ومواثيق ، يبقى العنف ضد المرأة الجرح المفتوح الذي يفضح فشل العالم في حماية نصفه الأكثر صلابةً وجمالا .
العنف لم يعد سلوكًا شاذًا أو انفعالا طارئا ، بل تحوّل إلى منظومة متجذّرة تُورَّث كما تُورَّث العادات.
امرأة تُعاقَب لأنها قالت ” لا ” ، وأخرى تُهان لأنها طالبت بحقها ، وثالثة تُحاصر لأن حياتها لا تُناسب قوالب المجتمع . وفي كلّ مرة، تبدو العدالة وكأنها صُمّمت لخدمة غيرهنّ ، فيما يبقين وحدهنّ في ساحة الحساب.
لكن أقسى أنواع العنف تتجلى حين تشتعل الحروب. فالحرب حين تندلع، لا تُميّز بين الجبهة والبيت، ولا بين المعركة والمطبخ ، لكنها تعرف جيدًا طريقها نحو النساء.
لم يُشعلن النار، ولم يوقّعن على أوامر القتال، ومع ذلك يتحمّلن الجزء الأثقل من الكارثة.
في غزة، تمشي الأم فوق الركام ، تحمل أطفالها بيد ، وتخفي انهيارها باليد الأخرى ، كي لا ينهار العالم في عيونهم .
في السودان ، تُقتلع النساء من بيوتهنّ كما تُقتلع جذور الأشجار، يرحلْن في طرق النزوح محمّلات بحزن لا يقاس .
في أوكرانيا، تنتقل النساء بين الحدود والذكريات، بين الفقد والانتظار، يحملن أثقالا تفوق طاقة الجغرافيا كلها.
وهذه ليست سوى نماذج لما يحدث في عشرات الأماكن المنسية ، حيث تبقى المرأة أول من يفقد الأمان ، وأول من يدفع الثمن ، وأقل من يسمع العالم بكاءه .
وإذا كانت الحروب تخطف المأوى والجسد، فإن العنف الرقمي يخطف الطمأنينة.
زرّ واحد يمكنه أن يطلق عاصفة من التنمّر، أو التهديد، أو التشويه، تُلاحق المرأة إلى سريرها وخصوصياتها. الكلمات تجرح، والصور المسروقة تتحوّل إلى فخاخ، والفضاء الافتراضي يصبح ميدانًا آخر لنوع جديد من الوحشية .
ورغم ذلك، تسير النساء في طريقهنّ بثبات مُذهل : ينهضن من بين الحطام، يواجهن المجتمع ، يربّين أطفالا ، ويصنعن حياة رغم كل ما يُلقى على كواهلهم.
لكن القوة ليست مبرّرًا لإدامة الصمت، ولا الصبر يجب أن يتحول إلى عقوبة مكتوبة على جبينهنّ.
في هذه المناسبة، نحن لا نحتاج إلى بيانات ولا شعارات… نحتاج إلى يقظة حقيقية:
نحتاج قوانين تُطبّق لا تُرفع في المنابر.
نحتاج إلى ثقافة تنظر إلى المرأة بوصفها إنسانة كاملة، لا تابعًا ولا ملكًا ولا هدفًا للعنف.
نحتاج إلى إعلام يُربّي الذائقة ولا يروّج للقبح.
نحتاج إلى رجال يفهمون أن الرجولة احترام، لا هيمنة.

العنف ضد المرأة ليس قضية نساء… بل إدانة للمجتمع كله.
كل امرأة تُهان، في الحرب أو في السلم، في الواقع أو على الشاشات، هي شهادة على فشلنا في أن نكون عالمًا أكثر عدلًا.
ويبقى السؤال الموجع :
هل نملك ضمائر تسبق ادّعاء الحضارة؟
فالنساء ما زلن تحت النار… والضمائر فعلًا تحت الاختبار .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية